الرئيسيةجميع القصص
الجريمة والأسرار
الكارثة والمصير
الأساطير والخصوم
التاريخ الحي
جرّب التطبيق
مرصد الزلازل عند تشانغ هنغ: الآلة التي كشفت الزلازل في القرن الثاني الميلادي
15 يوليو 2026تقنيات قديمة5 دقيقة قراءة

مرصد الزلازل عند تشانغ هنغ: الآلة التي كشفت الزلازل في القرن الثاني الميلادي

كشف مرصد الزلازل البرونزي الذي صمّمه تشانغ هنغ زلزالاً وقع عام 138م على بعد نحو 640 كيلومتراً، في عهد أسرة هان الصينية، قبل قرون من ابتكار أوروبا لأي شيء مشابه.

في عام 132م، قدّم فلكي بلاط أسرة هان تشانغ هنغ إلى البلاط الإمبراطوري وعاءً برونزياً ضخماً يبلغ قطره نحو مترين، تحيط به ثمانية رؤوس تنانين تتجه نحو الجهات الثماني، وكل تنين يُمسك بفكيه كرة برونزية صغيرة. وتحت كل تنين كانت تربض ضفدعة برونزية فاغرة فمها، تنتظر. أطلق تشانغ هنغ على جهازه اسم "هوفنغ ديدونغ يي"، وتعني تقريباً "أداة لقياس الرياح الموسمية وحركات الأرض". ومن رأى الجهاز من رجال البلاط ظنّه على الأرجح قطعة زخرفية، أو في أفضل الأحوال طرفة غريبة. لكن بعد ست سنوات، فعل الجهاز ما لم يُعرف أن أي أداة أخرى في العالم القديم قد فعلته: كشف زلزالاً لم يشعر به أحد في العاصمة.

الجهاز الذي يستعصي على التصديق

بحسب كتاب هان المتأخر، التاريخ الرسمي لأسرة هان اللاحقة الذي دوّنه المؤرخ فان يه في القرن الخامس الميلادي، ظل جهاز تشانغ هنغ جاثماً في العاصمة لويانغ لسنوات دون أن يفعل، على ما بدا، أي شيء البتة. ثم في عام 138م، سقطت إحدى الكرات البرونزية من فم أحد التنانين في الجهة الغربية من الوعاء إلى فم الضفدعة المنتظرة أسفله، بصوت رنين واضح، رغم أن أحداً في لويانغ لم يشعر ولو بأدنى هزة. واعتبر رجال البلاط، بحسب السجل، أن الجهاز فشل أو أنه مجرد خدعة. وبعد أيام، وصل رسول من مقاطعة قانسو، الواقعة على بعد نحو 640 كيلومتراً غرباً، يحمل خبر زلزال كبير ضرب المنطقة في الوقت نفسه تقريباً الذي سقطت فيه الكرة.

وتلك الواقعة الموثّقة الوحيدة هي السبب في أن جهاز تشانغ هنغ يُذكر اليوم بوصفه أول مرصد زلازل في العالم، أداة تكشف الزلزال وتشير إلى اتجاهه، سبقت بنحو 1700 عام أي تقنية مماثلة لرصد الزلازل ظهرت في أوروبا. ولا يُعرف أن أي مهندس آخر في أسرة هان بنى شيئاً كهذا في أي مكان آخر، وقد أذهل الجهاز معاصريه إلى درجة أن وصفه بقي محفوظاً في السجل التاريخي الرسمي قرابة ألفي عام بعد أن اختفى الجهاز نفسه.

كيف كان يعمل

لم تنجُ أي نسخة أصلية من "هوفنغ ديدونغ يي"، لذا فإن كل ما يعرفه الباحثون المعاصرون عن آليته مصدره وصف فان يه المكتوب، مضافاً إليه قرون من التفسيرات العلمية، ومحاولات إعادة بناء مادية في العصر الحديث. ويرى التفسير الأقرب إلى الصواب، الذي صقله علماء الزلازل ومؤرخو العلوم الصينيون في القرن العشرين، أن الوعاء كان يخفي رقاصاً ثقيلاً، معلقاً على الأرجح من الغطاء أو مثبتاً بشكل قائم داخل الحجرة المركزية، مصمماً ليبقى ساكناً في الظروف العادية لكنه يميل حين تصل موجة زلزالية إلى العاصمة، حتى لو كانت خفيفة أو بعيدة إلى درجة لا يشعر بها إنسان واقف بالقرب منها.

وحين كان الرقاص يميل نحو إحدى الجهات الثماني، يُعتقد أنه كان يُحرّك آلية رافعة متصلة برأس التنين في تلك الجهة، فتُطلق الكرة البرونزية الصغيرة من فكي التنين لتسقط في فم الضفدعة الرابضة تحته المفتوح. ولأن تنيناً واحداً فقط كان يُطلق كرته في كل هزة، فإن اتجاه التنين الذي تحرك كان يشير، من حيث المبدأ على الأقل، إلى الاتجاه التقريبي الذي جاءت منه موجات الزلزال، وهو استدلال اتجاهي بارع بُني بالكامل من البرونز والجاذبية ورقاص مضبوط بعناية، بلا إلكترونيات، وبلا نوابض بالمعنى الحديث، وبلا أي رياضيات مكتوبة عن انتشار الموجات توجّه التصميم.

ومن السهل التقليل من شأن الدقة المطلوبة هنا. كان يجب أن يكون الرقاص وروافعه المتصلة به حساسين بما يكفي للاستجابة لحركة أرضية خفيفة ناجمة عن زلزال حقيقي بعيد، مع بقائهما ساكنين في الوقت نفسه أمام الاهتزاز اليومي الناتج عن حركة المارة أو العربات أو الرياح، وهو توازن وجده علماء الآثار التجريبيون الذين حاولوا إعادة بناء الجهاز حديثاً صعباً حقاً حين استخدموا مواد وأدوات تعود إلى تلك الحقبة.

من صنعه ولماذا

كان تشانغ هنغ واحداً من أكثر الشخصيات الفكرية تنوعاً في أسرة هان، إذ شغل منصب فلكي البلاط ورئيس المؤرخين، وعمل في الوقت نفسه رياضياتياً ورسّام خرائط وشاعراً ومهندساً ميكانيكياً. ويُنسب إليه أيضاً بناء كرة فلكية دوّارة مبكرة تعمل بالماء، وهي نموذج دوّار للكرة السماوية استُخدم في الرصد الفلكي، وتقديم تقدير محسّن لقيمة الثابت الرياضي "باي". ونشأ اهتمامه برصد الزلازل مباشرة من مشكلة إمبراطورية عملية: كانت الصين في عهد أسرة هان، وما زالت، منطقة نشطة زلزالياً، وكانت الحكومة المركزية المنتشرة على رقعة شاسعة من الأراضي بحاجة إلى وسيلة أسرع لمعرفة متى وأين ضرب زلزال كبير، حتى يمكن إرسال الإغاثة قبل أن يصل الخبر عبر البريد البري البطيء.

وهذا الدافع العملي مهم، لأنه يميّز جهاز تشانغ هنغ عن مجرد فضول أكاديمي بحت. فقد كان الزلزال في مقاطعة نائية يحتاج إلى أيام عدة ليصل خبره عبر رسول، وبحلول الوقت الذي يبلغ فيه الخبر العاصمة على ظهر حصان، كانت فرصة الاستجابة الإمبراطورية السريعة قد ضاعت غالباً. وجهاز يشير، بشكل شبه فوري، إلى أن زلزالاً ضرب مكاناً ما في الغرب أو الجنوب، حتى قبل أن ينطلق أي رسول بشري، كان يمنح بلاط أسرة هان تقدماً حقيقياً في إمبراطورية كانت الاستجابة للكوارث فيها تعتمد بشدة على سرعة معرفة العرش بما حدث.

كيف فُقد الجهاز

لم يصمد "هوفنغ ديدونغ يي" أمام مرور الزمن، ولم تُستعَد أثرياً أي نسخة أصلية منه أو نسخة قريبة منها تعود إلى عهد أسرة هان. وكانت الأدوات البرونزية بهذا الحجم في الصين القديمة عرضة لمجموعة معتادة من الأخطار: الدمار في زمن الحروب، والصهر المتعمّد لإعادة استخدام البرونز كعملات أو أسلحة في فترات اضطراب لاحقة، والإهمال البسيط بعد رحيل العهد والورشة التي أنتجته. وقد انهارت أسرة هان نفسها بعد عقود قليلة من وفاة تشانغ هنغ، لتفتح الباب أمام قرون من الانقسام والحروب الأهلية فُقدت خلالها أو دُمّرت أو نُسيت ببساطة إنجازات تقنية وفنية كثيرة لبلاط أسرة هان المبكر، من دون أن يبقى صنّاع يحافظون على التقليد الذي أنتجها.

وما بقي لم يكن الجهاز نفسه بل وصفه، محفوظاً لأن فان يه رأى أن واقعة زلزال عام 138م جديرة بالتسجيل بتفصيل في تاريخه الرسمي للسلالة الحاكمة. وذلك السجل المكتوب، لا أي شظية مادية، هو الأساس الكامل لكل ما يعرفه الباحثون المعاصرون عن شكل الجهاز، وبالاستنتاج، عن طريقة عمله المرجّحة.

إعادة الاكتشاف وإعادة البناء

بدأ الاهتمام الحديث بإعادة بناء جهاز تشانغ هنغ بجدية في القرن العشرين، حين عمل مؤرخو العلوم الصينيون واليابانيون على نص فان يه لاقتراح نماذج مادية للآلية الداخلية. وبنت عدة فرق منذ ذلك الحين نماذج عاملة، يُعرض بعضها في متاحف وجامعات صينية، نجحت في محاكاة المبدأ الأساسي: رقاص معلّق داخل وعاء برونزي محكم يُطلق مؤشراً اتجاهياً حين يتعرض الوعاء لحركة أرضية محاكاة.

ولأن النص القديم الأصلي لا يحدد الأبعاد الداخلية الدقيقة، ولا وزن الرقاص بدقة، ولا التفاصيل الميكانيكية الدقيقة لنظام الرافعة والإطلاق، تبقى هذه الإعادات تفسيرات هندسية مستنيرة لا نسخاً طبق الأصل عن رسومات ورشة تشانغ هنغ الأصلية، التي لم تنجُ بأي شكل من الأشكال. وقد أثبت بعض النماذج المعاد بناؤها أنه أكثر حساسية وموثوقية من غيره بوضوح، وهو تذكير بأنه حتى مع وصف نصي واضح للفكرة، فإن هوامش الدقة الهندسية الدقيقة التي جعلت الجهاز الأصلي يعمل كما وُصف عام 138م تبقى، من نواحٍ مهمة، لغزاً يحاول البناة المعاصرون حله من الصفر لا مجرد نسخه.

وما لا خلاف عليه هو حجم الإنجاز كما وُصف. فقبل قرون من تطوير أوروبا لأي شيء يشبه أداة لرصد الزلازل، بنى مسؤول في بلاط أسرة هان جهازاً عاملاً، مستخدماً صب البرونز ورقاصاً مضبوطاً وآلية إطلاق ميكانيكية بارعة، يبدو أنه رصد فعلاً زلزالاً حقيقياً على بعد مئات الأميال وأشار إلى اتجاهه التقريبي قبل أن ينطلق أي رسول بشري لنقل الخبر.

ومن التقنيات الأخرى في العصور القديمة التي حلّت مشكلات هندسية بالغة الصعوبة بأساليب بارعة بالقدر نفسه آلة أنتيكيثيرا والخرسانة الرومانية، وكلاهما تذكير بأن مهندسي العالم القديم كانوا يبنون بانتظام أجهزة ومواد ما زالت درجة تطورها تذهل الجمهور المعاصر حقاً.

إجابات سريعة

أسئلة شائعة حول هذا الموضوع

كيف كان جهاز تشانغ هنغ لرصد الزلازل يعمل فعلياً؟

يرجّح التفسير الأقرب إلى الصواب أن رقاصاً ثقيلاً معلقاً داخل الوعاء البرونزي كان يميل حين تصل هزات أرضية إلى الجهاز، فيُحرّك آلية رافعة تُطلق إحدى الكرات البرونزية الثماني المحبوسة في أفواه على شكل تنانين حول الجهاز من الخارج، فتسقط الكرة في فم ضفدعة برونزية أسفلها، مشيرة إلى الاتجاه الذي جاءت منه الهزة.

هل تنبأ جهاز تشانغ هنغ فعلاً بزلزال عام 138م؟

بحسب سجل بلاط أسرة هان المعروف باسم كتاب هان المتأخر، أسقط الجهاز كرة تشير إلى زلزال في الغرب رغم أن أحداً في العاصمة لم يشعر بأي هزة، فاستخف رجال البلاط المتشككون بالأمر واعتبروه عطلاً، إلى أن وصل رسول بعد أيام يحمل خبر زلزال حقيقي وقع في مقاطعة قانسو، على بعد نحو 640 كيلومتراً.

هل ما زال الجهاز الأصلي موجوداً؟

لم تنجُ أي نسخة أصلية من عهد أسرة هان. وكل ما نعرفه عن الجهاز مصدره وصف مكتوب ورد في كتاب هان المتأخر، الذي دُوّن في القرن الخامس الميلادي، وجميع النماذج المعروضة اليوم في المتاحف هي إعادات بناء حديثة استُنبطت من ذلك النص وحده.

هل يستطيع المهندسون المعاصرون إعادة بناء جهاز تشانغ هنغ؟

بنت عدة فرق بحثية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، من بينها فرق صينية، نماذج عاملة استناداً إلى الوصف التاريخي، ونجح بعضها في رصد هزات محاكاة. ولأن لا نسخة أصلية باقية، ولأن النص القديم لا يحدد الأبعاد الداخلية الدقيقة، تبقى الآلية الحقيقية أقرب إلى إعادة بناء مرجّحة منها إلى يقين تام.

قابل المهندسين القدامى

تحدث مع المخترعين الذين صنعوا المستحيل قبل عصره بقرون.

اكتشف كيف عملت

انضم إلى HistorIQly Club

اجعل الماضي أوضح في ذهنك.

قصص أسبوعية وتحليلات معمّقة ومحتوى حصري مباشرةً إلى بريدك.

بلا إزعاج. إلغاء الاشتراك في أي وقت.