
سرقة ألماس أنتويرب: كيف اخترقت "مدرسة تورينو" خزنة "مستحيلة الاختراق"
في عام 2003 تمكنت عصابة من اختراق عشر طبقات أمنية لتفريغ خزنة أنتويرب للألماس، ثم انكشف أمرها بسبب شطيرة ملقاة في مكان خاطئ. إليك كيف حدث ذلك.
في وقت ما خلال ليلة 15 إلى 16 فبراير 2003، تسلل شخص إلى الخزنة السفلية لمركز أنتويرب العالمي للألماس، وتجاوز ما قيل إنه عشر طبقات من الإجراءات الأمنية، وأفرغ نحو 123 صندوق ودائع دون أن يُطلق إنذار واحد. وحين وصل تجار الألماس صباح الاثنين ليجدوا أوراقا ممزقة وصناديق فارغة تملأ أرضية الخزنة، كان اللصوص قد رحلوا بالفعل، وكذلك، في معظمه، رحلت الغنيمة معهم. تبقى هذه واحدة من أكبر السرقات وأكثرها جرأة تقنيا في التاريخ الموثق، وقد انكشف أمرها بسبب شطيرة.
الهدف
يقع مركز أنتويرب العالمي للألماس في حي الألماس بالمدينة، وهو حي مؤلف من بضعة شوارع يُقال إنها تتعامل مع نسبة كبيرة من تجارة الألماس الخام والمصقول في العالم. ولأكثر من قرن، بنى هذا الحي سمعته بوصفه أأمن مكان على وجه الأرض لتخزين الأحجار غير المصقولة والتجارة بها، وهي سمعة قامت على الثقة بين التجار، وكثير منهم من شركات عائلية متماسكة، بقدر ما قامت على أي إجراء أمني مادي. وكانت خزنته، الواقعة على عمق طابقين تحت مستوى الشارع، تضم صناديق ودائع يستأجرها تجار يستخدمونها لتخزين الأحجار والنقود والذهب بين الصفقات، وغالبا لأسابيع في كل مرة، بينما تُعقد الصفقات في الطوابق العليا في صالات البورصة الخاصة بالحي.
كانت دفاعات الخزنة فخر المبنى: قفل مركّب يضم مئة مليون احتمال ممكن حسب ما قيل، وجهاز كشف مجال مغناطيسي مخصص لرصد أي شخص يحمل أدوات معدنية، وأجهزة استشعار بالأشعة تحت الحمراء مضبوطة لالتقاط حرارة الجسم داخل خزنة يُفترض أنها خالية، وجهاز استشعار زلزالي لرصد اهتزازات الحفر المنقولة عبر الخرسانة، وجهاز استشعار ضوئي مُعاير لالتقاط أدنى شعاع ضوء من خارج ساعات العمل الرسمية. وكان الحراس وشركات التأمين، التي اعتادت على هذا الترتيب، يصفون الخزنة، علنا ومرارا، بأنها منيعة عمليا. كان من المفترض أن يكون الدخول إليها شبه مستحيل دون إطلاق إنذار ما، وهو بالضبط ما جعل السرقة، حين انكشفت تفاصيلها، مقلقة إلى هذا الحد لأهل هذه التجارة.
العصابة والخطة
كان في قلب العملية ليوناردو نوتاربارتولو، وهو إيطالي استأجر مكتبا داخل مركز الألماس لمدة عامين تقريبا قبل السرقة، متخفيا وراء واجهة شركة تجارة ألماس مشروعة. أتاح له هذا الإيجار وصولا مشروعا ومتكررا إلى المبنى، ووقتا لدراسة إيقاعه: مواعيد تبديل الحراس، ومواعيد تفقّد الخزنة، ومواعيد إخلاء المبنى في نهاية الأسبوع. وقيل إن نوتاربارتولو كان جزءا من شبكة إيطالية فضفاضة التنظيم من اللصوص أطلق عليها المحققون والصحفيون لاحقا اسم "مدرسة تورينو"، وتتمحور حول نواة من الرجال ذوي الخبرة في فتح الخزائن والإلكترونيات لا في السطو المسلح. ومن بين من ذكرتهم النيابة العامة فيرديناندو فينوتو، وإيليو دونوريو، وبييترو تافانو؛ أما المشارك الخامس المزعوم، الذي لم يعرفه الآخرون إلا بلقب، فلم تُحدد هويته قط بشكل قاطع.
اعتمدت الخطة على تعطيل كل طبقة من طبقات أمن الخزنة على حدة بدلا من البحث عن ثغرة رئيسية واحدة. وقيل إن العصابة استخدمت رغوة لحجب جهاز الاستشعار الحراري، ومزيجا من رذاذ الشعر والشريط اللاصق لتعطيل جهاز الكشف المغناطيسي، وحركة حذرة لتجنب إطلاق جهاز الاستشعار الزلزالي أثناء العمل على القفل المركّب نفسه، الذي درسوه لأشهر باستخدام كاميرا صغيرة قيل إنها كانت مخفية داخل الخزنة لتسجيل الموظفين وهم يدخلون الرمز. وأتاح إيجار نوتاربارتولو للمكتب له أن يدخل المبنى ويخرج منه في ساعات كانت لتبدو مريبة لأي شخص آخر لا يملك سببا معقولا لوجوده هناك، وخلص المحققون لاحقا إلى أن كثيرا من التحضير التقني، أي اختبار أي أجهزة الاستشعار يمكن خداعها وكيف، جرى تدريجيا على مدى زيارات عديدة لا في رحلة استطلاع واحدة.
وقيل إن العصابة عطّلت أيضا أو تجاوزت مصدر الكهرباء الخاص بجزء من الأنظمة الأمنية للخزنة أثناء عملية الاقتحام نفسها، وهو ادعاء برز كثيرا في الروايات الصحفية اللاحقة للقضية، رغم أن التسلسل الدقيق لأي نظام عُطّل أولا، وكيف بالضبط، لم يُعرض بالكامل قط في المحكمة العلنية، ويعود ذلك جزئيا إلى تردد النيابة العامة في نشر مخطط عملي لتعطيل خزنة لا تزال مؤسسات أخرى تستخدمها.
العملية
عملت العصابة طوال الليل خلال عطلة نهاية الأسبوع، فتجاوزت الدفاعات الخارجية للخزنة، وفتحت عشرات صناديق الودائع بمزيج من الفتح الماهر والقوة، وأفرغت محتوياتها في أكياس. وتجنبت تماما نظام الإنذار الرئيسي للخزنة، بحسب التحقيق اللاحق، ما يعني أنه حين قام أحد الحراس بجولة تفقد روتينية بعد ساعات الدوام، لم يلحظ شيئا غير طبيعي. وحين وصل تجار الألماس لفتح صناديقهم صباح الاثنين، كانت أرضية الخزنة مغطاة بأوراق وأدوات وتغليفات متروكة، وكانت العصابة قد رحلت فعلا. ولأن كثيرا من أصحاب الصناديق كانوا قد أعلنوا، حسب ما قيل، عن محتوياتها بقيمة أقل من الحقيقية تهربا من الضرائب وأقساط التأمين، لم تتفق النيابة العامة وشركات التأمين قط على رقم واحد لإجمالي الغنيمة؛ وتراوحت التقديرات بين عشرات الملايين ومئات الملايين من الدولارات من الألماس والذهب والنقود.
انكشاف الأمر
جاء الاختراق في القضية مما تركته العصابة خلفها لا مما أخذته. وُجّهت الشرطة البلجيكية إلى قطعة من الغابة قرب بلدة لومن، على بعد نحو 45 دقيقة من أنتويرب، حيث قيل إن كيسا من القمامة يضم شريط فيديو وأوراقا وبقايا طعام قد أُلقي على جانب الطريق. ومن بين الحطام كانت شطيرة سلامي نصف مأكولة وتغليفات طعام أخرى تمكن المحققون من تتبعها، عبر الحمض النووي وسجلات تجار محليين، إلى نوتاربارتولو، الذي كان إيجاره الطويل داخل مركز الألماس قد جعله شخصا مثيرا للشبهة بالفعل بمجرد اكتشاف أن مكتبه قد هُجر.
قُبض على نوتاربارتولو وأُدين في النهاية، إلى جانب عدة شركاء، رغم أنه لم يُقبض على جميع من يُعتقد أنهم شاركوا في العملية. ولم تُستعد معظم الألماس والذهب والنقود الفعلية قط، إذ قيل إنها قُسّمت ونُقلت عبر قنوات لم يتمكن المحققون من تتبعها بالكامل. وقد قدّم نوتاربارتولو منذ ذلك الحين روايته الخاصة المتنازع عليها للحادثة في مذكرات ومقابلات، يزعم فيها أن السرقة كانت بشكل ما مدبّرة من قبل أطراف مجهولة مرتبطة بشركات تأمين تجارة الألماس، وهو ادعاء تعامل معه المدعون العامون ومعظم الصحفيين الذين غطوا القضية بتشكك، لأنه لم تظهر قط أي أدلة تدعمه سوى روايته هو نفسه.
أين هم الآن
حُكم على نوتاربارتولو بالسجن عشر سنوات، وقيل إنه قضى نحو خمس سنوات قبل الإفراج عنه. وحصل فينوتو ودونوريو على أحكام مخففة بعد تعاونهما بدرجة ما مع المحققين، في حين ظل واحد على الأقل من أفراد العصابة المزعومين مجهول الهوية ولم يُقدَّم للمحاكمة قط. وأيا كان الحجم الحقيقي للغنيمة، تبقى القضية غير محلولة رسميا بمعنى أن الألماس والذهب والنقود نفسها لم يُعثر عليها قط.
وواجه مركز الألماس نفسه حسابا عسيرا خاصا به. فقد وجدت شركات التأمين، التي كانت قد ضمنت أمن الخزنة باعتباره منيعا فعليا، نفسها تتفاوض على مطالبات من تجار تباينت خسائرهم المعلنة تباينا كبيرا، بعضها مبالغ فيه لأجل التعويض، وبعضها الآخر قيل إنه كان مقلّلا لسنوات سابقة تهربا من الضرائب، وهو تشابك جعل من شبه المستحيل تحديد الحجم الحقيقي للسرقة حتى بعد وصول القضية إلى المحكمة. كما واجهت الهيئات الإدارية للحي أسئلة حادة عن كيف تمكن شخص غريب لا تاريخ طويل له في تجارة الألماس من استئجار مكتب داخل واحد من أكثر المباني أمنا في المدينة لمدة عامين دون أن يثير تدقيقا أوثق، وهو تقصير أدى إلى تشديد إجراءات التحقق من المستأجرين المستقبليين.
لماذا لا تزال تُوصف بالسرقة المثالية
ما يميز عملية أنتويرب عن معظم السرقات الشهيرة هو الغياب التام للعنف والرهائن ومطاردة الهروب. لقد كانت هزيمة بطيئة وصبورة للهندسة أكثر منها عملية درامية، أقرب في روحها إلى احتيال طويل الأمد منه إلى سطو خاطف، وانكشفت في النهاية بسبب ذلك النوع من الإهمال العادي، شطيرة تُركت في الحفرة الخطأ، الذي أنهى جرائم مثالية أكثر مما فعلت أي أنظمة إنذار على الإطلاق.
إجابات سريعة
أسئلة شائعة حول هذا الموضوع
كم كانت قيمة المسروقات في سرقة ألماس أنتويرب؟
لم يتفق المحققون وشركات التأمين قط على رقم دقيق، لأن كثيرا من الصناديق المسروقة، ويبلغ عددها نحو 123 صندوقا، كانت مملوكة لتجار قللوا من قيمة محتوياتها المعلنة تهربا من الضرائب وأقساط التأمين. تراوحت التقديرات آنذاك بين عشرات الملايين من الدولارات وأرقام تتجاوز 100 مليون دولار من الألماس والذهب والنقود.
هل استعيدت المسروقات من سرقة ألماس أنتويرب؟
لم يُستعد منها شيء يُذكر تقريبا. عُثر بعد أيام على كيس من الأدلة المتروكة، من بينها شطيرة نصف مأكولة، ملقى في غابة قرب بلدة لومن، لكن الألماس والذهب والنقود نفسها لم يُعثر عليها أو تُستعد قط.
كيف انكشف أمر العصابة؟
تتبع المحققون قطعة من القمامة عُثر عليها في الغابة قرب لومن، وربطوها بنوع محدد من السلامي يُباع محليا، ثم طابقوا الحمض النووي الموجود على شطيرة ملقاة مع مشاهدة رصدتها كاميرا مراقبة، فأدى ذلك إلى ليوناردو نوتاربارتولو، الواجهة الإيطالية للعصابة في أنتويرب، الذي كان قد استأجر مكتبا داخل مركز أنتويرب العالمي للألماس لسنوات.
هل لا يزال أحد في السجن بسبب سرقة ألماس أنتويرب؟
قضى نوتاربارتولو نحو خمس سنوات من عقوبته البالغة عشر سنوات قبل الإفراج عنه. أُدين عدة شركاء غيابيا أو حصلوا على أحكام مخففة، وظل واحد على الأقل من أفراد العصابة المزعومين مجهول الهوية ولم يُقبض عليه قط.


