
غلاديتور 2 في مواجهة التاريخ: ما مدى دقة تتمة فيلم روما؟
تحليل دقة غلاديتور 2: تتمة ريدلي سكوت 2024 تخترع بطلها وتُشوّه شخصية ماكرينوس، لكنها تُصيب في تصوير عنف كركلا والحرس البريتوري.
أنجز ريدلي سكوت حتى الآن فيلمَين عن روما القديمة، وفي كليهما قرر أن التاريخ الفعلي مجرد نقطة انطلاق لا أكثر. الجزء الأول Gladiator اخترع جنرالاً من وحي الخيال وجعله يقاتل نسخة مشوّهة من الإمبراطور كومودوس، الذي كانت سيرته الحقيقية غريبة بما يكفي دون أي تزويق. أما التتمة الصادرة في نوفمبر 2024 فذهبت أبعد من ذلك: فهي لا تخترع بطلها فحسب، بل تُعيد تشكيل شخصية تاريخية حقيقية وهي الإمبراطور ماكرينوس لتحوّله إلى عبد سابق ماكر يدير إمبراطورية مصارعة خاصة، ويُوضع في عصر سبق بعقود أي دور كان يمكن أن يضطلع به على هذا النحو.
الفيلم مبهر بصرياً. يستحضر تصميم الإنتاج شيئاً من ضخامة روما الإمبراطورية وثقافة المشهد والفرجة فيها. يُقدّم بول ميسكال أداءً متكاملاً لدور مبني على أسس ملفّقة. بيد أن غلاديتور 2 أقل رسوخاً تاريخياً من الجزء الأول الذي لم يكن هو نفسه متيناً في التزامه بالحقيقة.
الدقة التاريخية: 4/10
ما أصابته هوليوود
الحكم المشترك بين كركلا وجيتا
فرضية الفيلم، وهي روما يحكمها أخوان يكرهان بعضهما، تستند إلى وقائع حقيقية. حين مات الإمبراطور سبتيموس سيفيروس في يورك في فبراير عام 211م خلال حملة عسكرية في بريطانيا، ترك الإمبراطورية لولديه كركلا وجيتا. كانا خصمَين متجذّرَين ومتناقضَين في طباعهما.
المصادر الباقية، وفي مقدمتها كاسيوس ديو والتاريخ الأوغسطي الذي يُضعّفه المؤرخون كثيراً، تصف حكماً مشتركاً بالغ العداء لدرجة أن الأخوين قسّما القصر الإمبراطوري إلى نصفَين ووضعا حراساً على كل باب يصل بينهما. ويُروى أنهما فكّرا في تقسيم الإمبراطورية جغرافياً، وهو ما ثنتهما عنه أمهما يوليا دومنا.
يُضخّم الفيلم خلافهما إلى مستوى الشر الكاريكاتيري، إذ يحضران الألعاب بأزياء متطابقة ويتصرفان كطفلَين بلغاً الملل والقسوة. لكن الحقيقة الجوهرية تبقى راسخة: شراكة إمبراطورية مختلّة ومحفوفة بالخطر.
عنف كركلا
كركلا في الفيلم متهوّر وقاسٍ تحيط به الحاشية المداهنة. وكركلا التاريخي قريب من هذه الصورة بما يكفي. بعد اغتياله لجيتا في ديسمبر 212م، الذي قُتل في أحضان أمهما إثر مصالحة مزيّفة دبّرها كركلا، شنّ حملة تطهير شرسة. قدّر كاسيوس ديو أن نحو عشرين ألف شخص ممن ارتبطوا بجيتا لقوا حتفهم في أعقابها: من جنود وأحرار سابقين وكل من أبدى دعماً علنياً له.
وأقدم كركلا كذلك على مجزرة في أوساط مواطني الإسكندرية عام 215م بعد أن نظموا أشعاراً تسخر منه. وإن كان عدد الضحايا محل خلاف، فقد كان فادحاً. لا يزيد الفيلم كركلا سوءاً عما سجّله التاريخ، بل يُبسّط في الواقع أعماق ارتياب أكثر تركيباً.
الحيوانات الغريبة في الحلبة
يُبرز الفيلم وحيد القرن في مصارعة قتالية، وهو مشهد استأثر بالاهتمام بوصفه من أجرأ لقطاته. وإن كان هذا الموقف بعينه من نسج الخيال، فإن حضور الحيوانات الغريبة في حلبات روما موثّق توثيقاً وافياً. كان الأباطرة يُنظّمون بانتظام ما يُعرف بالـvenationes، أي صيد الوحوش، ويستجلبون لها الأسود والدببة وأفراس النهر والتماسيح والفيلة، وأحياناً وحيدات القرن. ومن الموثّق تاريخياً أن الإمبراطور كومودوس، سلف الأسرة السيفيرية مباشرة، أطلق سهامه بنفسه على وحيد قرن في الحلبة.
أما استخدام وحيدات القرن في المصارعة القتالية بالطريقة التي يُصوّرها الفيلم فأمر لا تُثبته السجلات الباقية ولا تنفيه. بيد أن استعراض الحيوانات الغريبة في الكولوسيوم ليس اختراعاً هوليوودياً.
الحرس البريتوري قوة سياسية
يُظهر الفيلم مراراً الحرسَ البريتوري بوصفه قوة سياسية لا مجرد حارس شخصي. وهذا دقيق تاريخياً. بحلول العهد السيفيري كان الحرس قد اضطلع بدور في اغتيال أباطرة عدة، وكان له أثر محوري في تنصيب ماكرينوس إمبراطوراً عام 218م في أعقاب مقتل كركلا. وكانت العلاقة التبادلية البالغة الخطورة بين الأباطرة وحرّاسهم أنفسهم أحد السمات البنيوية للنظام الإمبراطوري الروماني المتأخر.
ما أخطأت فيه هوليوود
لوسيوس شخصية خيالية بالكامل
بطل الفيلم لوسيوس مُعرَّف بأنه ابن ماكسيموس من الجزء الأول، الذي كان هو نفسه شخصية خيالية. لا توجد في عصر الأسرة السيفيرية أي شخصية تاريخية تنطبق على خلفية لوسيوس أو دوره أو هويته. يُمرّر الفيلم أحداثه عبر الوقائع الحقيقية، لكن لوسيوس لا يرد في أي مصدر لأنه ببساطة لم يوجد.
هذا ليس إشكالاً جوهرياً في الروايات الدرامية. الرواية التاريخية الخيالية تخترع أبطالاً باستمرار لحمل السرد الحقيقي. غير أن المحصلة هي أن القوس السردي الرئيسي للفيلم كله ينكشف في فراغ تاريخي تام، وكل ما هو موثوق في الإطار يحيط بشخصية من نسج الخيال المجرد.
اختراع ماكرينوس عبداً سابقاً
أبرز تشويه تاريخي في الفيلم هو معالجته لشخصية ماكرينوس الذي يؤدي دوره دنزل واشنطن بوصفه عبداً سابقاً ثرياً ساحر الشخصية يسيطر على شبكة مصارعي روما ويدبّر سراً الإطاحة بالأسرة السيفيرية.
أما ماكرينوس الحقيقي فقد وُلد في قيصرية موريتانيا، في شمال الجزائر اليوم، وترقّى عبر الخدمة الإدارية الإمبراطورية حتى بلغ منصب قائد الحرس البريتوري في عهد كركلا. ولا يُعرِّفه أي مصدر قديم موثوق بأنه عبد سابق. كان فقيهاً مدرَّباً كسب نفوذه بالكفاءة البيروقراطية والحنكة السياسية، لا بعالم المصارعة.
صحيح أن ماكرينوس الحقيقي دبّر اغتيال كركلا عام 218م وصار إمبراطوراً، لكنه كان حينذاك مسؤولاً إمبراطورياً راسخاً لا دخيلاً من الخارج. ودام حكمه نحو أربعة عشر شهراً قبل أن تُطيح به القوات الموالية لابن عم كركلا إيلاغابالوس. لا شيء في ذلك يشبه نسخة الفيلم.
الكولوسيوم المغمور بالمياه
يُصوّر الفيلم مشهداً تُغمر فيه الحلبة بالماء لإقامة معركة بحرية. صحيح أن الرومان أقاموا الـnaumachia، وهي عروض معارك بحرية مبهرة، في حلبات مصنوعة لهذا الغرض أو في بحيرات اصطناعية. فقد أغرق يوليوس قيصر حوضاً في حقل مارس، وأنشأ أغسطس بحيرة نوماكيا مخصصة.
لكن سؤال ما إذا كان الكولوسيوم نفسه قد أُغرق قط لمعارك بحرية كاملة لا يزال موضع جدل بين علماء الآثار والمؤرخين. صرف المياه وقنواته موجودة في البنية التحتية. غير أن التحدي الهندسي المتمثل في تعويم بناء بهذا الحجم على العمق المطلوب، وغياب الأدلة الوثائقية المباشرة، يجعل كثيراً من الباحثين يرتابون في الأمر. أما الفيلم فيُقدّم معركة بحرية ضخمة محكمة الإخراج داخل الكولوسيوم باعتبارها حقيقة راسخة، في حين تظل الأدلة الفعلية أبعد ما تكون عن الوضوح.
تكثيف الزمن وإعادة ترتيبه
يُدمج الفيلم أحداثاً من مراحل متباينة في تاريخ الأسرة السيفيرية ضمن تسلسل درامي واحد. شخصيات كانت ستكون فاعلة في عقود مختلفة تتشارك المشاهد نفسها. والصعود السياسي لماكرينوس الذي جرى في التاريخ الحقيقي بعد سنوات من الأحداث التي يصورها الفيلم يُسحب إلى حقبة الحكم المشترك لكركلا وجيتا.
ضغط الزمن أمر لا مفرّ منه في السينما التاريخية. غير أن غلاديتور 2 يدفعه إلى حد لا يعود معه السرد الناتج قابلاً للتطابق مع أي حقبة متماسكة من تاريخ روما. فيكون الفيلم في نهاية المطاف عن روما متخيّلة تشترك بالاسم فحسب مع الحقيقية.
الأسرة السيفيرية الحقيقية أغرب مما يوحي الفيلم
المفارقة في اختراعات غلاديتور 2 أن الأسرة السيفيرية الحقيقية لم تكن بحاجة إلى تزويق. خليفة كركلا إيلاغابالوس الذي تولى السلطة عام 218م كان مراهقاً نصّب نفسه كاهناً أعلى للإله الشمسي السوري، وتزوج عذراء مقدسة وهو ما كان يُعدّ دنساً فادحاً في الدين الروماني، ونُسب إليه ارتداء ملابس النساء، وقتله الحرس البريتوري بعد أربع سنوات على العرش. أما كركلا نفسه الذي منح الجنسية الرومانية لكل الأحرار تقريباً في الإمبراطورية عبر Constitutio Antoniniana، فيظل من أكثر الحكام تناقضاً في التاريخ: مُصلح حقيقي ووحش حقيقي في الحكم ذاته. لا شيء من ذلك يظهر في الفيلم. كان بيد ريدلي سكوت مادة أثرى فاختار الاختراع عوضاً عنها.
إجابات سريعة
أسئلة شائعة حول هذا الموضوع
هل لوسيوس في غلاديتور 2 شخصية تاريخية حقيقية؟
لا. لوسيوس الطفل الذي ظهر في الجزء الأول وكبر ليصبح بطل التتمة شخصية خيالية بحتة. لا توجد في السجلات التاريخية أي شخصية تتطابق مع خلفيته أو دوره أو هويته. وظّفه الفيلم أداة سردية لمواصلة قصة ماكسيموس الذي كان هو أيضاً شخصية مُركَّبة من وحي الخيال.
هل كان ماكرينوس فعلاً عبداً سابقاً يدير تجارة المصارعين؟
لا. ماكرينوس الحقيقي كان فقيهاً قانونياً من شمال أفريقيا تدرّج في الخدمة الإدارية الإمبراطورية حتى بلغ منصب قائد الحرس البريتوري، ثم صار إمبراطوراً عام 218م بعد أن دبّر اغتيال كركلا. ولم تكن له أي صلة بعالم المصارعة. تصوير الفيلم له عبداً سابقاً ثرياً يدير إمبراطورية مصارعة خاصة اختراع تام.
هل تشارك كركلا وجيتا في الحكم كما يُصوّر الفيلم؟
نعم، لفترة وجيزة انتهت بكارثة. بعد وفاة سبتيموس سيفيروس عام 211م كان من المقرر أن يحكم ولداه كركلا وجيتا معاً. كانا يكرهان بعضهما وقسّما القصر الإمبراطوري إلى نصفين، ولم يصمد الترتيب إلا أشهراً قليلة قبل أن يقتل كركلا أخاه جيتا في أحضان أمهما يوليا دومنا عام 212م.
هل أُغرق الكولوسيوم فعلاً لإقامة معارك بحرية؟
أقام الرومان النوماكيا، أي معارك بحرية مصطنعة، في حلبات مغمورة وبحيرات اصطناعية أُنشئت لهذا الغرض تحديداً. أما إغراق الكولوسيوم ذاته لمعارك بحرية كاملة فلا يزال موضع جدل بين الباحثين. البنية التحتية لتصريف المياه موجودة، لكن الأدلة على معارك بحرية ضخمة داخله تحديداً تبقى غير حاسمة. والفيلم يقدّم الأمر باعتباره حقيقة ثابتة.
ناقش الدقة مع الشخصيات الحقيقية
اسأل الأشخاص الحقيقيين عمّا أخطأ فيه Hollywood بشأن حياتهم.
تحدث مع التاريخ

