
أصول العطر: من اخترع العطر؟
بدأ العطر كدخان يتصاعد نحو الآلهة في بلاد ما بين النهرين ومصر، لا كرائحة تُوضع على الجلد. ورشة عطور في قبرص من عام 2000 قبل الميلاد هي أقدم معمل عطور اكتُشف على الإطلاق.
قبل وقت طويل من أن يضع أحد قطرة عطر على معصمه، كان الناس يحرقونه. فالعطارون الأوائل لم يكونوا كيميائيين يعملون من أجل الغرور أو الإغواء، بل كانوا كهنة وخدام معابد في بلاد ما بين النهرين ومصر، يرسلون دخانًا عطريًا إلى الأعلى لأنهم كانوا يعتقدون أن الآلهة نفسها تريد شمّه. ولا تزال كلمة "عطر" تحمل هذه الذكرى في جوهرها: فهي مشتقة من اللاتينية per fumum، أي "عبر الدخان"، وهو اسم عاش أطول من الطقس الذي صيغ لوصفه بآلاف السنين.
الأسطورة الشائعة في مقابل الأدلة الأثرية
اسأل معظم الناس عن أصل العطر وستسمع نسخة ما من قصة كليوباترا وهي تغمس أشرعة مركبها بالعطر لإغواء مارك أنطونيو، وهي قصة ترد عن بلوتارخ وتكررت في السينما والتاريخ الشعبي منذ ذلك الحين. إنها صورة حيّة، وربما تحمل بذرة حقيقة عن كيفية استخدام النخبة المصرية للعطر كأداة في المسرح السياسي، لكنها تقلل بشكل كبير من قِدَم هذه الممارسة الأساسية بحلول زمن كليوباترا في القرن الأول قبل الميلاد. فبحلول اللحظة التي يُزعم أنها كانت تعطّر فيها أشرعتها، كان الإنتاج المنظم للعطور قد وُجد بالفعل منذ نحو ألفي عام.
والافتراض الشائع الآخر هو أن العطر بدأ كسلعة فاخرة فرنسية، وهو تخمين معقول نظرًا لمدى هيمنة فرنسا الكاملة على الصناعة الحديثة منذ القرن السابع عشر. لكن هذه النسخة من القصة أبعد عن الصواب. فالسجل الأثري والنصي يشير بدلًا من ذلك إلى الشرق الأدنى القديم، حيث تسبق ممارسة حرق المواد العطرية كقربان ديني أي تاريخ مكتوب لفرنسا بآلاف السنين.
أقدم الأدلة: البخور قبل الرائحة السائلة
لم يكن أول شكل اتخذه العطر سائلًا على الإطلاق، بل دخانًا متصاعدًا من راتنجات وصموغ وأخشاب محروقة، تُقدَّم للآلهة في معابد بلاد ما بين النهرين ومصر منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد على الأقل. وكان اللبان والمر، وكلاهما راتنجان عطريان يُحصدان من أشجار موطنها شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، يُحرقان في الطقوس الدينية في أنحاء الشرق الأدنى القديم، وقطعا مسافات هائلة عبر طرق تجارة البخور للوصول إلى المعابد التي كانت تستهلكهما، وهي تجارة كانت من الثراء بحيث ساعدت في بناء ثروة الممالك القديمة في جنوب شبه الجزيرة العربية.
وأهم دليل مادي على إنتاج منظم للعطور لا يأتي من مصر أو بلاد ما بين النهرين بل من قبرص. ففي أوائل الألفينيات، اكتشف علماء آثار ينقبون في موقع يُدعى بيرغوس في الجزيرة ما حدده الباحثون بأنه أقدم معمل عطور عُثر عليه على الإطلاق، ويعود إلى نحو 2000 قبل الميلاد. وضم الموقع أجهزة تقطير، وأوعية خلط، وقمعًا، وقوارير عطور، وهي أدلة على وجود ورشة إنتاج حقيقية لا مجرد حرق طقسي معزول، عملت بمكونات محلية من بينها زيت الزيتون واليانسون والصنوبر والكزبرة والبرغموت لإنتاج زيوت معطرة على ما يبدو أنه نطاق تجاري.
وطوّرت مصر تقليدها الخاص الغني الموثَّق جيدًا بالتوازي مع ذلك. تصف سجلات المعابد والمقابر المصرية "الكيفي"، وهو مزيج بخور متقن يجمع بين الراتنجات والعسل والنبيذ والزبيب، كان يُحرق كقربان ويُستخدم أيضًا في الطب، وسُجّلت وصفاته في نقوش المعابد بتفصيل دقيق حاول باحثون محدثون إعادة تركيبه. كما أنتج المصريون زيوتًا منقوعة، بنقع الأزهار والأعشاب والراتنجات في الدهون لصنع مستحضرات معطرة استُخدمت في الطقوس الدينية والعناية اليومية على حد سواء، خاصة بين الأثرياء، واستخرج علماء الآثار أوعية تجميل وجرار مرهم من المقابر تؤكد أن هذه الممارسة تعود إلى عصر الدولة القديمة.
الكيميائية المسمارية: تابوتي
من أبرز قطع الأدلة النصية لوح مسماري من بلاد ما بين النهرين، يعود إلى نحو 1200 قبل الميلاد، يذكر اسم امرأة تُدعى تابوتي كصانعة عطور، ويصف استخدامها لتقنيات من بينها التقطير والترشيح ومزج الأزهار والزيت وقصب الذريرة لإنتاج مستحضرات معطرة. واللوح مجزأ وتفاصيل طريقة عملها الدقيقة محل نقاش بين علماء الآشوريات، لكن تابوتي تُذكر على نطاق واسع باعتبارها أقدم كيميائية معروفة بالاسم في السجل التاريخي أيًا كان مجالها، سابقة بقرون معظم الممارسين الآخرين المعروفين بالاسم في أي تخصص علمي. ووجودها تذكير بأن صناعة العطور في الشرق الأدنى القديم لم تكن ممارسة شعبية مجهولة، بل حرفة ماهرة محددة بما يكفي لتُسجَّل وتُسمى، وعلى ما يبدو، تحظى بالاحترام.
اللحظة الثقافية والاقتصادية التي أتاحت انتشاره
يتتبع انتشار العطر من الطقس الديني إلى الاستخدام الأوسع انتشار التجارة البعيدة المدى نفسها. فطرق البخور التي حملت اللبان والمر من جنوب شبه الجزيرة العربية شمالًا نحو بلاد ما بين النهرين ومصر أنشأت ممالك وسيطة ثرية، وعلى مدى قرون، رسّخت السلع العطرية كفئة من سلع التجارة القيّمة لا كفئة مقدسة بحتة. ومع اتساع وصول الطبقات التجارية والكهنوتية إلى الراتنجات والزيوت والمكونات الغريبة، اتسع نطاق استخداماتها أيضًا: زيوت معطرة لتحنيط الموتى، وللمراسم الملكية، وللطب، وفي النهاية للزينة العادية لأي شخص يقدر على تحمل كلفتها.
وورث الإغريق والرومان القدماء هذا التقليد الشرق أدنائي والمصري وطوّروه بدلًا من ابتكار تقليد جديد. فقد كتب مؤلفون إغريق من بينهم ثيوفراستوس، تلميذ أرسطو، رسائل مخصصة عن الروائح والزيوت المعطرة، صنّفت المكونات وخصائصها بطريقة تُظهر أن العطر أصبح موضوعًا جديرًا بفلسفة طبيعية جادة بحلول القرن الرابع قبل الميلاد. واستهلكت النخب الرومانية الزيوت والمساحيق المعطرة بحجم اشتكى منه لاحقًا الوعّاظ باعتباره ترفًا منحلًا، وجلبت شبكات التجارة الرومانية مكونات العطور من أماكن بعيدة كالهند، موسّعة قائمة المكونات إلى ما هو أبعد بكثير مما تعاملت معه قبرص أو مصر في العصر البرونزي.
الفجوة بين الأسطورة والسجل
تميل الرواية الشائعة إلى اختزال هذه القصة الطويلة والواسعة جغرافيًا في نقطة أصل واحدة، غالبًا مصر أو أحيانًا كليوباترا شخصيًا، لأن من الأسهل تذكّر حضارة واحدة براقة بدلًا من ممارسة موزعة تطورت عبر بلاد ما بين النهرين، وبلاد الشام، وقبرص، وشبه الجزيرة العربية، ومصر، بشكل متوازٍ إلى حد كبير، مع تبادل كل مركز للمكونات والتقنيات مع الآخرين. ويقاوم السجل الأثري قصة المخترع الواحد المرتّبة. فقبرص تملك أقدم معمل عطور مخصص باقٍ. وبلاد ما بين النهرين تملك أقدم صانع عطور فردي معروف بالاسم. ومصر تملك أغنى تقليد موثَّق للاستخدام الديني والتجميلي. ولا تُلغي أي من هذه الادعاءات الأخرى، والإجابة الصادقة على سؤال "من اخترع العطر" هي أن ما من حضارة واحدة فعلت ذلك، لأن الفكرة الأساسية، وهي أن حرق أو نقع مادة عطرية ينتج شيئًا قيّمًا ومقدسًا، يبدو أنها خطرت لمجتمعات متعددة من العصر البرونزي في إطار زمني متقارب، ربما عزّزها الاتصال التجاري بينها أكثر من كونها اختراعًا منعزلًا.
من الزيت والدخان إلى الكحول
العطر الذي يعرفه معظم الناس اليوم، وهو سائل قائم على الكحول لا زيت أو راتنج محروق، تطور لاحق إلى حد كبير. فقد تقدمت تقنية التقطير بشكل كبير خلال العصر الذهبي الإسلامي، حين كتب علماء من بينهم الفيلسوف الموسوعي الكندي في القرن التاسع رسائل عن تقطير الزيوت العطرية وتنقية المستخلصات العطرية، مستفيدين من تقنيات إغريقية ومصرية سابقة ومحسّنين المعدات والأساليب بشكل ملحوظ.
وفي أوروبا، يُعد "ماء المجر" المعلَم التقليدي المتعارف عليه، وهو مستحضر يُقال إنه صُنع لملكة المجر في القرن الرابع عشر بتقطير كحول منقوع بإكليل الجبل، ويُذكر غالبًا بأنه أول عطر حقيقي قائم على الكحول في التقليد الغربي، رغم أن ملابسات صنعه الدقيقة تستند إلى تقليد بلاطي أكثر مما تستند إلى وثيقة معاصرة راسخة. ومن هناك، انتقلت الحرفة إلى إيطاليا عصر النهضة ثم إلى فرنسا، حيث أصبحت بلدة غراس مركزًا للصناعة بحلول القرنين السابع عشر والثامن عشر، لتبني الأساس التجاري والتقني لدور العطور الحديثة التي لا تزال تهيمن على السوق اليوم.
الإرث الحديث
كل زجاجة عطر تُباع اليوم، مهما أوحى تسويقها بالرقي الفرنسي أو الكيمياء الحديثة، تنحدر من ممارسة بدأت كدخان يتصاعد نحو إله في معبد في بلاد ما بين النهرين أو مصر، ثم صقلتها ورشة من العصر البرونزي في قبرص، وسجّلتها كيميائية معروفة الاسم بالخط المسماري، ولم يُعَد ابتكاره كسائل مخصص للجلد لا للسماء إلا بعد ذلك بزمن طويل. والكلمة نفسها، "عبر الدخان"، هي الأثر المتحجر لذلك الغرض الأصلي، كامنة بهدوء داخل لغة نادرًا ما يفكر مستخدموها المعاصرون في ترجمتها.
إجابات سريعة
أسئلة شائعة حول هذا الموضوع
من اخترع العطر؟
لم يخترع العطر شخص واحد بعينه. فقد نشأت هذه الممارسة من إحراق البخور في بلاد ما بين النهرين ومصر، حيث كانت الراتنجات العطرية تُحرق كقرابين للآلهة منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد على الأقل. وأقدم صانعة عطور معروفة بالاسم من السجلات المكتوبة هي تابوتي، وهي كيميائية ورد ذكرها على لوح مسماري من بلاد ما بين النهرين يعود إلى نحو 1200 قبل الميلاد، أما أقدم معمل عطور مادي باقٍ، بما فيه من أجهزة تقطير وأوعية خلط، فقد اكتُشف في قبرص ويعود إلى نحو 2000 قبل الميلاد.
ماذا تعني كلمة العطر فعليًا؟
تأتي كلمة العطر من العبارة اللاتينية per fumum، أي عبر الدخان، في إشارة مباشرة إلى أصلها كبخور يُحرق في الطقوس الدينية لا كسائل يُوضع على الجلد. ودخلت الكلمة اللغة الإنجليزية عبر الفرنسية في القرن السادس عشر، وكانت العطور السائلة المصنوعة من الكحول المقطر قد ترسخت بالفعل في أوروبا بحلول ذلك الوقت.
هل اخترع قدماء المصريين العطر فعلًا؟
طوّرت مصر واحدة من أكثر تقاليد العطور القديمة تطورًا وتوثيقًا، باستخدام الكيفي، وهو مزيج بخور معقد من الراتنجات والعسل والنبيذ يُحرق في المعابد، وزيوت معطرة استُخدمت في الطقوس الدينية والعناية اليومية على حد سواء. لكن الأدلة الأثرية من بلاد ما بين النهرين وقبرص تُظهر إنتاجًا منظمًا للعطور جرى بالتوازي أو حتى قبل ذلك، ما يجعل مصر أحد المراكز الرئيسية لهذه الممارسة وليست مخترعتها الوحيدة.
متى تحول العطر إلى سائل قائم على الكحول بدلًا من الزيت أو البخور؟
يُنسب هذا التحول عمومًا إلى العصر الذهبي الإسلامي، حين طوّر كيميائيون من بينهم الفيلسوف الموسوعي الكندي في القرن التاسع تقنيات تقطير أدق لاستخلاص الزيوت العطرية، وإلى المجر في القرن الرابع عشر، حيث يُعد ماء المجر، المصنوع بتقطير كحول منقوع بإكليل الجبل، أول عطر حقيقي قائم على الكحول في التقليد الأوروبي بحسب ما يُذكر غالبًا.


