
تنازل إدوارد الثامن عن العرش: الملك الذي تخلى عن التاج من أجل واليس سيمبسون
كيف أشعل حب ملك لامرأة أمريكية عادية مطلقة مرتين أزمة دستورية كلفته عرشه في أقل من عام.
طوال معظم عام 1936، كانت حكومة المملكة المتحدة والصحافة الأمريكية وعائلة الملك نفسه يعرفون جميعا أمرا لم يكن الشعب البريطاني يعلمه: أن الملك الجديد يريد الزواج من امرأة تعتبرها المؤسسة الملكية غير مقبولة إطلاقا. وحين انفجرت القصة أخيرا في الصحف البريطانية في أوائل ديسمبر، لم يكن أمام البلاد سوى أسبوع بالكاد لاستيعاب أزمة كانت تختمر منذ سنوات. وبحلول 11 ديسمبر، لم يعد إدوارد الثامن ملكا.
البلاط الملكي
تولى إدوارد العرش في 20 يناير 1936، بعد وفاة والده جورج الخامس، وذلك عقب ما يقارب 26 عاما قضاها وليا للعهد. وبصفته أمير ويلز، كان الرجل الأكثر تصويرا في الإمبراطورية البريطانية، شخصية شعبية بحق جالت في المستعمرات ودافعت عن العاطلين عن العمل خلال فترة الكساد الكبير، وبدا للكثيرين قوة تجديد لملكية ما زالت تحمل طابع الصرامة الرسمية التي طبعها بها والده.
لم تكن المخاطر شخصية بحتة. فإدوارد بصفته ملكا كان سيصبح أيضا الحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا، وهي مؤسسة لم تكن تعترف حينها بزواج مطلق طالما كان زوجه السابق على قيد الحياة. كما كان على رأس كومنولث كانت قواعده، بموجب ميثاق وستمنستر لعام 1931، تقتضي أن أي تغيير في قواعد التوارث أو زواج الملك يتطلب موافقة حكومات الدومينيونات، لا حكومة وستمنستر وحدها. فزواج الملك لم يكن شأنا خاصا، بل كان دستوريا شأن الجميع.
وقد رُوي أن جورج الخامس أعرب عن قلقه قبل وفاته من أن ابنه الأكبر لن يستقر وقد يقوض هيبة الملكية المحسوبة بعناية في غضون عام واحد من توليه العرش. ولاحظ المقربون من إدوارد على مدى سنوات أنه يضجر من الأعمال الروتينية للملكية، ويفضل الغولف والنوادي الليلية على صناديق الدولة، ويتعامل مع الجانب الرسمي من دوره كعبء يجب تحمله لا كمهمة يعتنقها بشغف. لم يكن أي من ذلك وحده كافيا لإنهاء حكمه، لكن مقترنا بمسألة الزواج، منح خصومه في الحكومة قضية تتجاوز الرومانسية بكثير.
الأطراف
تطورت علاقة إدوارد بواليس سيمبسون في مطلع الثلاثينيات. كانت واليس أمريكية من بنسلفانيا، مطلقة سابقا من طيار في البحرية الأمريكية، وكانت وقتها متزوجة من زوجها الثاني إرنست سيمبسون، رجل الأعمال الأنجلو أمريكي. تحركت هي وإدوارد في الأوساط الاجتماعية نفسها لسنوات قبل أن تتعمق العلاقة بينهما، وبحلول منتصف الثلاثينيات أصبحت حضورا دائما في تجمعاته الخاصة، بادئ الأمر كضيفة واحدة بين كثيرين في حفلات نهاية الأسبوع، ثم لاحقا كالمرأة التي تدير منزله فعليا وإن لم يكن اسميا.
أبدت الملكة ماري، والدة إدوارد، وأغلب أفراد العائلة الملكية استياءهم من واليس منذ وقت مبكر، إذ رأوا في أمريكية مطلقة سابقا ولا تزال متزوجة من رجل آخر شخصا غير لائق إطلاقا لأي علاقة وثيقة بولي العهد، ناهيك عن الملك. وازداد هذا الاستياء تصلبا لا تراجعا حين اعتلى إدوارد العرش وأعلن نواياه بوضوح.
أصبح رئيس الوزراء ستانلي بالدوين الشخصية المحورية في الجانب الحكومي، مكلفا بإدارة ملك بات يراه أكثر فأكثر غير مؤهل لقيود منصبه. أما ونستون تشرشل، الذي كان حينها نائبا هامشيا في البرلمان بلا نفوذ وزاري يذكر، فقد دافع عن قضية إدوارد وطالب بالتريث، موقف كلفه سمعته السياسية آنذاك. وتابع إخوة إدوارد الثلاثة الأصغر، ألبرت دوق يورك، وهنري دوق غلوستر، وجورج دوق كنت، تطورات الأزمة وهم يدركون أن أكبرهم سيرث في نهاية المطاف كل ما سيتركه إدوارد وراءه، بطريقة أو بأخرى.
الفضيحة
كانت الصحف الأمريكية والأوروبية القارية تغطي علاقة الملك بواليس سيمبسون منذ زمن طويل قبل أن يقرأ عنها القراء البريطانيون كلمة واحدة. فقد التزم المحررون البريطانيون صمتا ذاتيا حول القصة، اتفاق ضمني بين الصحف استمر لسنوات رغم أن الشائعات كانت تتداول في كل طبقات المجتمع ذات الشأن. وانهار هذا السد في أوائل ديسمبر 1936، بعد أن فُسرت تصريحات علنية لأحد الأساقفة عن حاجة الملك إلى نعمة الله على أنها إشارة مبطنة إلى العلاقة، رغم أن الأسقف نفسه نفى لاحقا أي قصد من هذا القبيل. وما إن نشرت إحدى الصحف الربط بين الأمرين حتى تبعتها البقية في غضون أيام.
بحلول ذلك الوقت، كانت الأزمة الجوهرية قد بلغت بالفعل مرحلة متقدمة خلف الأبواب المغلقة. فقد كانت واليس بدأت إجراءات الطلاق من إرنست سيمبسون في ذلك الخريف، ما مهد الطريق أمامها للزواج من إدوارد في نهاية المطاف. وأبلغ بالدوين الملك بوضوح أن الحكومة لن تقبل بواليس ملكة. وطُرح حل وسط، زواج مورغانيتي تصبح فيه واليس زوجة إدوارد دون أن تكون ملكة، ولا يحق لأي أبناء منهما المطالبة بالعرش، لكن مجلس الوزراء ورؤساء وزراء الدومينيونات الذين استشارهم بالدوين رفضوه رفضا قاطعا. وهكذا وُضع إدوارد عمليا أمام خيار واحد: التخلي عن واليس، أو التخلي عن التاج.
أما واليس، فقد فرت إلى جنوب فرنسا مع تصاعد عاصفة الصحافة، وقيل إنها عرضت الانسحاب من العلاقة لإنهاء الأزمة. لكن ذلك لم يغير شيئا. فقد كان إدوارد قد حسم قراره بالفعل.
الإشاعة مقابل الحقيقة
كانت الرواية العلنية للأحداث، التي أعلنها إدوارد نفسه في خطابه الإذاعي عن التنازل عن العرش مساء 11 ديسمبر 1936، بسيطة وأصبحت شهيرة على الفور: إنه لا يستطيع تحمل عبء الملكية "من دون عون ومساندة المرأة التي أحبها". هذه الصياغة شكلت الذاكرة الشعبية لواقعة التنازل عن العرش منذ ذلك الحين، باعتبارها تنازلا رومانسيا.
لكن السجل التوثيقي أكثر تعقيدا. فقد كانت لدى بالدوين ووزرائه مخاوف حقيقية وقديمة بشأن مزاج إدوارد، وتعامله المتساهل مع أوراق الدولة، وتعاطفه مع ألمانيا النازية الذي وجده البعض في الحكومة مقلقا لفرط دفئه. أما إذا كانت أزمة الزواج هي السبب الحقيقي لإقصائه أو مجرد الذريعة الأنظف المتاحة لحكومة كانت أصلا تريد التخلص منه، فتلك مسألة لا يزال المؤرخون يتجادلون حولها، والمصادر المتعلقة بمداولات الحكومة الخاصة غير حاسمة في أي من الاتجاهين.
كما راجت شائعات مستمرة حول واليس سيمبسون نفسها، بما في ذلك ادعاءات بوجود صداقة، أو أكثر من صداقة، مع يواخيم فون ريبنتروب، سفير ألمانيا في بريطانيا في منتصف الثلاثينيات. ويُقال إن الاستخبارات البريطانية احتفظت بملفات عن علاقاتها. ولم يثبت هذا قط كحقيقة في أي سجل توثيقي باق، وهو ينتمي بوضوح إلى فئة إشاعات تلك الحقبة لا إلى التاريخ المثبت، لكنه غذى شكوكا معاصرة بأن نفوذ واليس على الملك تجاوز الرومانسية إلى السياسة.
التداعيات
وقّع إدوارد صك التنازل عن العرش في قصر فورت بلفيدير في 10 ديسمبر 1936، بحضور إخوته الثلاثة كشهود. وأقر البرلمان قانون إعلان جلالته التنازل عن العرش في اليوم التالي، وأكد خطاب إدوارد الإذاعي في تلك الأمسية للجمهور ما كان قد تقرر بالفعل سرا. وأصبح شقيقه ألبرت الملك جورج السادس، ووَرِث موعد تتويج كان مقررا أصلا في مايو 1937، فمضى الاحتفال كما هو مقرر مع ملك مختلف فحسب.
مُنح إدوارد لقب دوق وندسور وتزوج من واليس في فرنسا في يونيو 1937، بمجرد أن أُنهي طلاقها. ولم تبارك كنيسة إنجلترا هذا الزواج، ولم يحضره أي فرد كبير من العائلة الملكية. وقررت حكومة جورج السادس بعدها أن واليس، دوقة وندسور الآن، لن تحمل لقب صاحبة السمو الملكي، قرار اعتبره إدوارد إهانة شخصية ولم يغفره أبدا، وظل نقطة خلاف دائمة بين الأخوين.
ولم تتلاشَ الفضيحة بل ازدادت عمقا. ففي عام 1937 قام الدوق والدوقة، حديثا الزواج، بجولة في ألمانيا النازية والتقيا أدولف هتلر في ملاذه الجبلي، زيارة رافقتها صور، من بينها صورة لإدوارد يبدو فيها وكأنه يؤدي التحية النازية، ظلت تطارد سمعته لبقية حياته. وخلال الحرب العالمية الثانية، أُرسل إلى منصب بعيد نسبيا عن أوروبا، حاكما لجزر البهاما، وهو دور فُهم على نطاق واسع آنذاك كوسيلة لإبقائه بعيدا عن سياسات زمن الحرب. وأشارت وثائق دبلوماسية ألمانية استولي عليها ونُشرت بعد الحرب إلى أن بعض المسؤولين النازيين ناقشوا إمكانية اتخاذه واجهة رمزية في حال انتصار ألمانيا، رغم أن مدى جدية هذه الفكرة من أي من الجانبين يبقى موضع خلاف.
قضى إدوارد وواليس معظم بقية حياتهما في فرنسا، مستبعدين إلى حد كبير من الحياة الملكية الرسمية، يحضران بين الحين والآخر مناسبات عائلية مثل جنازة جورج السادس عام 1952، لكن دون أن يتصالحا تماما مع المؤسسة التي تركها إدوارد. توفي عام 1972، وعاشت واليس بعده حتى عام 1986، قضت سنواتها الأخيرة في عزلة.
ما الذي تغير فعلا
لم تقتصر أزمة التنازل عن العرش على إنهاء فترة حكم واحدة. بل أكدت، بأوضح صورة ممكنة، أن الملكية البريطانية في القرن العشرين تعمل ضمن حدود تضعها الحكومة المنتخبة، لا الإرادة الملكية الشخصية، وعززت الموقف الرسمي للمؤسسة تجاه الطلاق لجيل كامل، وهو موقف عاد للظهور حين ثُنيت الأميرة مارغريت، ابنة أخت إدوارد، عن الزواج من رجل مطلق في الخمسينيات، ثم مرة أخرى بعد عقود حين تراخت القواعد أخيرا بما يكفي للسماح بزواج أفراد العائلة الملكية بعد الطلاق. استمر حكم إدوارد الثامن أقل من عام ولم يشهد أي تتويج على الإطلاق، ومع ذلك قلما ترك حكم قصير في التاريخ البريطاني ظلا بهذا الطول.
إجابات سريعة
أسئلة شائعة حول هذا الموضوع
هل تنازل إدوارد الثامن عن العرش فعلا من أجل الحب فقط؟
هذا ما قاله هو نفسه في خطابه الإذاعي عن التنازل، وهو صحيح إلى حد كبير. لكن السجلات التاريخية تكشف أيضا أن الحكومة كانت قد قررت مسبقا أنه غير مؤهل لتولي المنصب، واستخدمت مسألة الزواج كورقة ضغط للتخلص منه، فكان الحب هو الشرارة أكثر من كونه السبب الوحيد.
هل رُفضت واليس سيمبسون فقط لأنها أمريكية مطلقة؟
جنسيتها لم تكن العامل الأهم بقدر وضعها الاجتماعي كمطلقة. فإدوارد بصفته ملكا كان سيصبح أيضا رئيسا لكنيسة إنجلترا، التي لم تكن في ذلك الوقت تعترف بزواج مطلقة لا يزال زوجها السابق على قيد الحياة، وكانت واليس قد طُلقت مرة بالفعل وهي في خضم إجراءات طلاقها الثاني حين اندلعت الأزمة.
ماذا حدث لإدوارد وواليس بعد التنازل عن العرش؟
تزوجا في فرنسا عام 1937 وعاشا معظم حياتهما خارج بريطانيا بصفتهما دوق ودوقة وندسور، مستبعدين إلى حد كبير عن الحياة الملكية. زيارة مثيرة للجدل لألمانيا النازية عام 1937 ظلت تلاحق سمعتهما بقية حياتهما. توفي إدوارد عام 1972 وواليس عام 1986.
هل كان بإمكان إدوارد أن يبقى ملكا ويكتفي بإبقاء واليس عشيقة سرا؟
ربما، وتشير بعض الروايات إلى أن جهات في الحكومة كانت تأمل في ذلك تحديدا. لكن إدوارد أراد الزواج منها، وبمجرد أن كسرت الصحافة البريطانية صمتها في ديسمبر 1936، لم يعد التكتم خيارا متاحا لأي من الطرفين.


