
مكذوبة: سور الصين العظيم غير مرئي من الفضاء
يقوله رواد الفضاء منذ عقود: لا يمكن رؤية سور الصين العظيم بالعين المجردة من المدار. إليك من أين أتت هذه الخرافة وما الذي يمكن رؤيته فعلًا.
اسأل صفًّا من تلاميذ المدارس أن يذكروا حقيقة واحدة عن سور الصين العظيم، وسيجيبك عدد كبير منهم بأنه المنشأة الوحيدة التي صنعها البشر والمرئية من الفضاء. إنها معلومة طريفة ومُرضية، تكرّرت في الكتب المدرسية وأمسيات الأسئلة الثقافية ونصوص المرشدين السياحيين على مدى أجيال. لكنها أيضًا شيء قال عنه كل من ذهب فعلًا إلى الفضاء ونظر إلى الأسفل، رسميًّا، إنه غير صحيح.
الخرافة، كما تُروى بإنصاف
الادعاء ليس ساذجًا في ظاهره، ويستحق أن يؤخذ على محمل الجد قبل تفنيده. فسور الصين العظيم هو، في نهاية المطاف، أطول منشأة بناها البشر على الإطلاق، إذ تمتد أقسامه وفروعه المختلفة، بحسب أشمل مسح حكومي صيني اكتمل عام 2012، لأكثر من 21000 كيلومتر إذا احتُسب كل جدار وخندق وحاجز طبيعي أُدرج ضمن منظومة الدفاع. ومنشأة بهذا الطول، تتعرّج عبر الجبال والصحاري على امتداد آلاف الكيلومترات، تبدو بالضبط من النوع الذي ينبغي أن يبرز على كوكب يُشاهد من مسافة بعيدة كفاية. لكن الحدس البشري بشأن المقياس ينهار بشدة عند مسافات المدار، ومن الخطأ المفهوم تمامًا أن يفترض المرء أن "الطول الهائل" و"الرؤية من بعيد جدًّا" أمران متشابهان في الإبهار.
ويساعد على ذلك أن الادعاء يحمل نبرة موثوقية. فهو لا يُصاغ بعبارة "يعتقد بعض الناس" بل كحقيقة راسخة، وغالبًا ما تُرفق به تفاصيل محددة وواثقة: مرئي من القمر، أو المنشأة الوحيدة التي صنعها البشر ويمكن رؤيتها من الفضاء. والادعاءات الواثقة والمحددة تنتشر أسرع وتُتحدى أقل من الادعاءات الغامضة، وهذه الخرافة تجمع بين الاثنين.
لماذا تبدو مقنعة إلى هذا الحد
يأتي جزء من قدرتها على الصمود من خلط أساسي بين الطول والعرض. فقد تكون منشأة طويلة جدًّا لكنها تبقى، عند النظر إليها من الأعلى مباشرة، خطًّا رفيعًا جدًّا، والخطوط الرفيعة هي بالضبط ما تعجز العين البشرية، بل ومعظم الكاميرات، عن تمييزه على خلفية مزدحمة وذات نسيج بصري من مسافات بعيدة. ومعظم أقسام السور الباقية والأشهر من عهد أسرة مينغ يبلغ عرضها عند القاعدة نحو 4 إلى 9 أمتار، وتضيق كلما ارتفعت، وهو مقياس يضيع تمامًا حين تنظر إلى الأسفل من ارتفاع تبدأ عنده سلاسل جبلية كاملة تبدو كتجاعيد في شرشف سرير.
وتصمد الخرافة أيضًا لأنها تُطري السور ومن يكرّرها في آن واحد. فمن الجميل أن يُقال هذا عن هندسة حضارة ما، وتكرارها لا يكلّف شيئًا ويوحي بقدر من المعرفة العامة، وهي النوع من الحقائق التي يحب الناس الاحتفاظ بها جاهزة. فلا أحد يتحقق من معلومة طريفة تجعل الجميع يبدون بمظهر جيد.
من أين أتت فعلًا
تعود جذور الخرافة القابلة للتتبع إلى أبعد مما يفترضه معظم الناس، وأبعد من رحلات الفضاء نفسها بنحو قرنين من الزمن. فقد كتب عالم الآثار الإنجليزي وليام ستوكلي عام 1754 في رسالة تتناول موضوعًا مختلفًا تمامًا، وهو تحصينات "دايك هيلز" الرومانية في أوكسفوردشير، ملاحظة عابرة يقارن فيها تلك التحصينات بسور الصين العظيم، متكهنًا بأن السور الصيني ضخم لدرجة أنه "ربما يُرى من القمر". ولم يكن ستوكلي قد اقترب يومًا من الصين، ناهيك عن القمر، وكانت ملاحظته أقرب إلى زخرفة بلاغية عن الحجم منها إلى ادعاء علمي، لكنها تبقى أقدم نسخة موثقة تتبعها المؤرخون.
وعادت الفكرة للظهور في كتابات متفرقة خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكن انتشارها الحقيقي جاء على يد كاتب الرحلات والمغامر الأمريكي ريتشارد هاليبرتون، الذي كرّر في كتابه الأكثر مبيعًا الصادر عام 1938 بعنوان Second Book of Marvels ادعاء أن سور الصين العظيم هو المنشأة الوحيدة التي صنعها البشر والمرئية من القمر، وقدّمه بالثقة المرحة نفسها التي طبعت حكاياته الأخرى عن المغامرات الجريئة. ومن الواضح أن هاليبرتون لم يذهب إلى القمر أكثر مما ذهب إليه ستوكلي، ولم يكن أي إنسان قد غادر غلاف الأرض الجوي حتى ذلك الحين، إذ كان ذلك سيحدث بعد عقدين آخرين. كان الادعاء تكهنًا محضًا يتزيّا بزي الحقيقة الثابتة، لكن كتب هاليبرتون بيعت بالملايين، فرسخت العبارة.
كيف انتشرت
وحين يترسّخ ادعاء كهذا في الكتابات العلمية الشعبية، تميل الكتب المدرسية إلى تكراره من دون تمحيص، لأنه حقيقة حيّة وقابلة للاقتباس أكثر من كونها إحصائية جافة، فتلقّفتها أجيال من المعلمين الباحثين عن تفصيل لافت عن السور ونقلتها من دون التحقق من مصدر هاليبرتون، الذي لم يكن موجودًا أصلًا بأي صيغة يمكن اختبارها. وقد صمد الادعاء أمام بزوغ عصر رحلات الفضاء الفعلي بشكل لافت، جزئيًّا لأن الروايات المبكرة كانت أحيانًا غامضة أو اختُصرت أثناء الترجمة وإعادة السرد، وجزئيًّا لأنه بحلول الوقت الذي بدأ فيه رواد الفضاء تفنيده مباشرة، كانت الخرافة قد سبقتهم بأجيال عدة في الكتب المدرسية وبرامج المسابقات.
وكررت وسائل الإعلام الرسمية الصينية والمواد السياحية أيضًا نسخًا من هذا الادعاء بين الحين والآخر، لأسباب مفهومة تتعلق بالفخر الوطني، ما أضاف صوتًا مؤسسيًّا آخر يعزّز ما كان رواد الفضاء الأفراد يحاولون تصحيحه في الوقت نفسه.
ما تقوله المصادر الأولية
جاء التصحيح الأكثر مباشرة وتكرارًا عام 2003، حين أصبح يانغ ليوي أول رائد فضاء صيني يطير إلى الفضاء، على متن مهمة شنتشو 5. وبحسب ما وردت، سأله إعلاميون صينيون وأفراد من الجمهور بعدها عمّا إذا كان قد رأى سور الصين من المدار، نظرًا للارتباط الوطني القوي بين السور والادعاء، فصرّح يانغ بوضوح بأنه لم يستطع رؤيته. وتناولت الصحافة الصينية تصريحاته على نطاق واسع في حينه، ما أثار نقاشًا عامًّا في الصين نفسها حول تصحيح النسخة المدرسية من القصة، بما في ذلك مراجعة بعض المواد الدراسية التي كانت قد كرّرت الخرافة.
ولم يكن يانغ أول من قال ذلك بأي حال. فقد كان رواد فضاء أمريكيون يكررون النقطة نفسها منذ عقود. صرّح رائد فضاء أبولو يوجين سيرنان، وهو أحد القلائل الذين رأوا الأرض من مسافة القمر، بوضوح تام بأن سور الصين غير مرئي بالعين المجردة حتى من المدار الأرضي المنخفض، ناهيك عن القمر، وهو رأي ردّده رواد فضاء آخرون كثر عبر برنامجي مكوك الفضاء ومحطة الفضاء الدولية. وأشارت بيانات وكالة ناسا العامة بشأن هذا الموضوع مرارًا إلى أنه في ظل ظروف صافية بشكل استثنائي ومع معرفة مسبقة دقيقة بمكان النظر، يبلّغ بعض المراقبين برؤية خط باهت جدًّا يصعب تمييزه من المدار الأرضي المنخفض، لكن هذا ادعاء هامشي مرتبط بظروف مثالية، ويختلف اختلافًا جذريًّا عن النسخة المتداولة كمعلومة طريفة والقائلة إنه "مرئي بوضوح، حتى من القمر".
والحجة الفيزيائية ضد إمكانية الرؤية من القمر تحديدًا واضحة ومباشرة. فعند مسافة تبلغ نحو 384000 كيلومتر بين القمر والأرض، لا تتعلق مسألة تمييز خط بعرض 4 إلى 9 أمتار بالعين البشرية المجردة بضباب جوي أو يوم غير صافٍ. بل إن الأمر يقع بعيدًا تمامًا خارج حدود دقة الرؤية الزاوية الأساسية للعين البشرية، وهو السبب نفسه الذي يمنعك من قراءة لافتة طريق سريع من مسافة أربعين ميلًا مهما كان الجو صافيًا. ولم يدّعِ أي رائد فضاء يومًا عكس ذلك.
ما هي الحقيقة إذن
القصة الحقيقية لما يُرى فعلًا من المدار أكثر إثارة للاهتمام، بحجة معقولة، من الخرافة، لأنها تكشف حقيقة عمّا يبرز فعلًا من الفضاء: ليس الطول، بل التباين والمساحة. وقد أفاد رواد الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية والمهمات السابقة باستمرار بأن أضواء المدن ليلًا مرئية بشكل لافت، إلى جانب شبكات الطرق السريعة الكبرى، وأنماط الحقول الزراعية الواسعة النطاق ذات الحدود الهندسية الحادة، والسدود والخزانات، وبشكل مشهور، شبكة لاس فيغاس المترامية أو آثار مسارات السفن الكبيرة في البحر. وتبرز هذه المعالم ليس لأنها طويلة بل لأنها تخلق تباينًا بصريًّا قويًّا، من حيث السطوع أو اللون أو الانتظام الهندسي، مقابل مساحة محيطة واسعة.
وسور الصين العظيم، رغم طوله الحقيقي ومكانته كأحد أعظم الإنجازات الهندسية في العالم قبل الحديث، بُني من مواد، من التراب المدكوك والطوب والحجر، تشابه إلى حد كبير لون وملمس التضاريس التي يمر بها، تحديدًا لأن بناته اعتمدوا على ما وفّرته البيئة المحلية بدلًا من استيراد مواد زاهية متباينة تجعله مرئيًّا من موقع مراقبة لم يكن بمقدور أحد في عهد أسرة مينغ أن يتخيل وجوده. ويختفي السور في محيطه عند النظر إليه من ارتفاع للسبب نفسه الذي يجعل مسار مشي جبلي يختفي في سفح تلة عند رؤيته من طائرة مارّة: فهو لم يُبنَ يومًا ليُنظر إليه من الأعلى، بل ليُسار على طوله ويُدافع عنه من الأرض. وهذا ليس مأخذًا على إنجاز السور. بل إن منشأة دفاعية تندمج بسلاسة تامة مع الجبال والصحاري نفسها التي بُنيت لحمايتها هي شهادة أفضل على براعة هندسة عهد أسرة مينغ من خرافة اختُلقت قبل قرنين من الزمن من أن يتمكن أحد من التحقق منها.
إجابات سريعة
أسئلة شائعة حول هذا الموضوع
هل صحيح أن سور الصين العظيم مرئي من الفضاء؟
لا، ليس بالعين المجردة، ولا حتى من القمر. صرّح عدة رواد فضاء، من بينهم رائد الفضاء الصيني يانغ ليوي عام 2003، بشكل مباشر بأن السور غير مرئي بلا مساعدة من مدار أرضي منخفض، على ارتفاع نحو 400 كيلومتر، ناهيك عن مسافة القمر البالغة نحو 384000 كيلومتر.
من أين جاءت خرافة سور الصين والفضاء؟
يعود أقدم شكل معروف لها إلى عالم الآثار الإنجليزي وليام ستوكلي، الذي كتب عام 1754 أن السور قد يكون مرئيًّا من القمر. وعاد الادعاء للظهور وانتشر على نطاق واسع بعدما كرّره كاتب الرحلات الأمريكي ريتشارد هاليبرتون في كتابه الأكثر مبيعًا الصادر عام 1938 بعنوان Second Book of Marvels، أي قبل عقود من ذهاب أي إنسان فعليًّا إلى الفضاء للتحقق من الأمر.
هل يمكن لرواد الفضاء رؤية أي شيء من الفضاء؟
نعم، لكن ليس هياكل خطية رفيعة كسور الصين. فمن المدار الأرضي المنخفض، يمكن لرواد الفضاء تمييز معالم بشرية واسعة النطاق ذات تباين قوي مع محيطها، مثل أضواء المدن ليلًا، وشبكات الطرق السريعة الكبرى، وأنماط الحقول الزراعية، والخزانات والسدود الكبيرة، وهي جميعًا لا تشبه سورًا لا يتجاوز عرضه بضعة أمتار.
كم يبلغ عرض سور الصين العظيم؟
يتفاوت العرض بشكل كبير بحسب القسم والعصر، لكن معظم الأجزاء الباقية من سور عهد أسرة مينغ، وهي الأفضل حفظًا والأكثر زيارة، يبلغ عرضها عند القاعدة نحو 4 إلى 9 أمتار، وتضيق كلما ارتفعنا، وهو مقياس لا يُذكر مقارنة بدقة الرؤية اللازمة لتمييز أي شيء من المدار بالعين المجردة.


