
أصل البوصلة: كيف غيّرت تقنية الملاحة الصينية العالم
تعود أصول البوصلة إلى صين أسرة هان، لا إلى بحّارة أوروبا. بدأت أداة للتنجيم قبل أن تصبح أهم أدوات الملّاح على الإطلاق.
القصة المعتادة عن البوصلة تدور حول بحّارة أوروبيين. وأحياناً تُنسب الفضل لوسيط عربي. وفي بعض الأحيان تُذكر إشارة عابرة إلى أصل صيني قبل أن ينتقل السرد سريعاً إلى البحر المتوسط وعصر الاكتشافات. فالرحلة الأوروبية إلى العالم الجديد هي التي يُعتقد أن تاريخ البوصلة يهمّ من أجلها، ولذلك يُعامَل ماضي هذه الأداة الصيني الممتد ستمائة عام وكأنه مجرد هامش لقصة شخص آخر.
هذا الترتيب مقلوب. فقد اخترعت البوصلة في الصين، وطُوّرت في الصين، واستُخدمت لأغراض صينية طوال قرون قبل أن يذكرها أي نص أوروبي. وفهم أصلها الحقيقي يستلزم البدء من حيث بدأت فعلاً، لا من حيث انتهى بها المطاف.
حجر المغناطيس والتنجيم
الظاهرة الأساسية قديمة وبسيطة. فالمغنتيت، وهو معدن أكسيد الحديد، يوجد أحياناً في شكل ممغنط طبيعياً يُعرف بحجر المغناطيس. وحين يُترك جزء من هذا الحجر يتأرجح بحرية، فإنه يصطف مع المجال المغناطيسي للأرض. وقد لوحظت هذه الخاصية بشكل مستقل في حضارات متعددة، لكن الصينيين كانوا أول من طوّرها بشكل منهجي.
لم يكن أول تعامل صيني مع أحجار المغناطيس ملاحياً، بل تنجيمياً. فالممارسة الصينية القديمة المعروفة بـ«الفنغ شوي»، وهي فن ترتيب الأماكن ومقابر الدفن والمباني بما ينسجم مع القوى الطبيعية، كانت تتطلب أدوات لتحديد الاتجاهات الميمونة. وبحلول القرنين الأول والثاني الميلاديين، في عهد أسرة هان، كان عرّافو الفنغ شوي الصينيون يستخدمون جهازاً يُعرف بـ«سي نان»، أي «الملعقة المشيرة إلى الجنوب». وكان هذا الجهاز على شكل مغرفة منحوتة أو مصبوبة من حجر المغناطيس، موازَنة على لوح برونزي مصقول. ومقبض الملعقة، الذي يمثل مجموعة نجوم الدب الأكبر، كان يصطف مشيراً إلى الجنوب حين يستقر الجهاز.
لم تكن «سي نان» أداة ملاحية بأي معنى، بل أداة تنجيم. فلم تُستخدم في البحر، بل لمحاذاة القبور والحدائق وغرف القصور. لكنها أظهرت فهماً صينياً واضحاً، سبق أي حضارة أخرى موثّقة بقرون، لكون حجر المغناطيس المعلَّق بحرية يصطف بثبات مع المجال المغناطيسي للأرض.
الانتقال إلى الإبرة
كان الابتكار الحاسم هو استبدال ملعقة حجر المغناطيس الثقيلة بإبرة فولاذية ممغنطة. فالإبرة التي تُحكّ بحجر المغناطيس تحتفظ بمحاذاة مغناطيسية أضعف لكنها كافية. وكانت الإبر أخف وأرخص وأسهل بكثير في التصنيع بكميات كبيرة مقارنة بأدوات حجر المغناطيس المنحوتة.
أقدم نص صيني يصف هذا التطبيق هو موسوعة عسكرية تُدعى «وو جينغ زونغ ياو»، جُمعت نحو عام 1040م في عهد أسرة سونغ. ويصف النص «سمكة مشيرة إلى الجنوب»، وهي شكل رقيق لسمكة مقطوعة من صفيحة حديد، ممغنطة بالتسخين ثم التبريد المفاجئ في اتجاه شمالي-جنوبي، وتُترك تطفو على الماء في وعاء. وكانت السمكة تصطف مشيرة إلى الجنوب.
ويرد وصف أكثر دقة في «مقالات بركة الأحلام» لعالم الموسوعات شين كو، المكتوبة نحو عام 1088م. فقد وصف شين كو حكّ إبرة على حجر المغناطيس لتمغنطها، ثم إدخالها في ليفة نبات لتطفو على الماء، أو تعليقها على خيط حرير واحد لتتأرجح بحرية. ولاحظ أن الإبرة تشير إلى نقطة تميل قليلاً شرق الجنوب الحقيقي، وهي ظاهرة تُعرف اليوم بالانحراف المغناطيسي، أي الفرق بين الشمال المغناطيسي والشمال الجغرافي. وتُعد ملاحظة شين كو للانحراف المغناطيسي من أقدم الملاحظات الموثّقة في العالم لهذه الظاهرة.
وبحلول أواخر القرن الحادي عشر، كان البحارة الصينيون يستخدمون بوصلة الإبرة الطافية للملاحة. ويصف كتاب «بينغ تشو كه تان»، وهو سجل يعود إلى نحو عام 1117م للعالم تشو يو، الملاحين وهم يستخدمون «إبر السمك» ليلاً أو في الأجواء الغائمة حين تتعذر الملاحة بالنجوم. وكانت البوصلة بالفعل أداة عملية في البحر قبل أن يعرف أي أوروبي بوجودها.
الطريق نحو الغرب
لا يوجد توثيق قاطع لكيفية انتقال البوصلة من صين أسرة سونغ إلى أوروبا في القرن الثاني عشر، ومن المرجح أنها سلكت أكثر من طريق. فالتجار العرب الناشطون في المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي كانوا على اتصال منتظم بالتجار الصينيين، ولديهم الدافع والفرصة لتبنّي أداة ملاحية ناجحة. وتصف نصوص جغرافية فارسية وعربية من مطلع القرن الثاني عشر أدوات قد تشير إلى البوصلة المغناطيسية، وإن كانت الإشارات غامضة.
أما أول وصف أوروبي لا لبس فيه فيظهر في كتاب «دي أوتنسيليبوس»، وهو عمل مرجعي كتبه نحو عام 1190م ألكسندر نيكام، وهو رجل دين إنجليزي درّس ودرَس في باريس. وصف نيكام البحارة وهم يستخدمون إبرة موضوعة على محور، محكوكة بمغناطيس، لتحديد الاتجاه حين تختفي النجوم. وفي هذه المرحلة، يبدو أن البوصلة كانت مستخدمة عملياً في السفن الملاحية في بحر الشمال والأطلسي، لا مجرد فكرة نظرية. ووصفها نيكام بوصفها ممارسة معروفة، لا اختراعاً جديداً.
وبعد فترة وجيزة، وصف شاعر فرنسي يُدعى غيو دو بروفين بوصلة البحارة في قصيدة كتبها نحو عام 1206. وذكرها المؤرخ الإيطالي لحملات الصليبيين جاك دو فيتري نحو عام 1218. وبحلول منتصف القرن الثالث عشر، أصبحت البوصلة الجافة، ذات القرص المعلَّم بالاتجاهات على محور تحت وردة الرياح، معدّة قياسية على متن السفن في البحر المتوسط.
وتشير هذه التسلسلية إلى تقنية دخلت الوعي الأوروبي في أواخر القرن الثاني عشر واستُوعبت في الاستخدام العملي خلال جيل واحد. أما إن كانت وصلت عبر وسطاء عرب، أو عبر مسافرين على طريق الحرير، أو من العالم البيزنطي، فتلك مسألة لم تُحسم بعد.
ما الذي غيّرته البوصلة فعلياً
تقييم أثر البوصلة على الملاحة الأوروبية أسهل من تقصّي أصولها. فقبل البوصلة، كان البحارة الأوروبيون الذين يبحرون في الأطلسي المفتوح أو في ظروف طقس سيئة يعتمدون على الحساب التقديري: تقدير الموقع استناداً إلى السرعة المعروفة، والاتجاه المحافَظ عليه بالرجوع إلى النجوم أو الشمس، والوقت المنقضي. وكانت هذه الطريقة تنجح في الملاحة الساحلية وفي الطرق الراسخة ذات الرياح المتوقعة. لكنها كانت تتراكم فيها الأخطاء عبر المسافات الطويلة، وتفشل تماماً في الأجواء الغائمة.
وفّرت البوصلة مرجعاً ثابتاً للاتجاه مستقلاً عن الرؤية والمراقبة الفلكية. فالملّاح الذي لا يستطيع رؤية النجوم كان بإمكانه الحفاظ على مساره. والسفينة الغارقة في الضباب قرب ساحل صخري كان بإمكانها تحديد ما إذا كانت تتجه نحو الخطر أو بعيداً عنه. لم تحلّ البوصلة محل الملاحة الفلكية؛ بل كمّلتها، ووفّرت بيانات اتجاه موثوقة في الظروف بالتحديد التي تغيب فيها الشمس والنجوم.
وبالنسبة لعبور الأطلسي في أواخر القرن الخامس عشر ومطلع السادس عشر، لم تكن البوصلة وحدها كافية. فرحلات فاسكو دا غاما وكريستوفر كولومبوس تطلّبت الملاحة الفلكية لتحديد خط العرض، وحساب الوقت الدقيق لتقدير خط الطول، والحساب التقديري لتحديد الموقع على المدى القصير. لكن أياً من هذه التقنيات لم يكن ليُطبّق بشكل موثوق في جميع أحوال الطقس دون أن توفّر البوصلة خط أساس ثابتاً للاتجاه.
كما مكّنت البوصلة تطوير الخرائط البحرية الدقيقة. فخرائط البورتولان، الخرائط الساحلية التي بدأت تظهر في الملاحة بالبحر المتوسط في القرن الثالث عشر، كانت تُرسم باستخدام مسارات البوصلة المأخوذة من نقاط ساحلية معروفة. ودون مراجع اتجاه ثابتة، كان رسم الخرائط المنهجي للسواحل بالمقياس اللازم للملاحة أمراً غير عملي. فالبوصلة هي التي صنعت الخريطة؛ والخريطة هي التي صنعت الرحلة.
المساهمة الصينية بأثر رجعي
يُعد تاريخ البوصلة دراسة حالة لما يُتذكَّر وما يُغفَل حين تنتقل تقنية عبر الحدود الثقافية. فقد اخترع الصينيون هذه الأداة، وطوّروها عبر قرون، وكانوا يستخدمونها في الملاحة البحرية قبل قرن كامل على الأقل من أي ذكر أوروبي لها. كما لاحظوا الانحراف المغناطيسي قبل أن يصادفه المستخدمون الأوروبيون بزمن طويل.
أما ما فعله المستخدمون الأوروبيون، بدءاً من القرن الثاني عشر وتسارعاً خلال القرن الخامس عشر، فهو دمج البوصلة في نظام ملاحي أوسع، والجمع بينها وبين رسم خرائط محسّن ومراقبة فلكية، وتوظيفها في خدمة مشروع جغرافي محدد هو بلوغ آسيا بالإبحار غرباً. ونتائج ذلك المشروع أكبر وأكثر تعقيداً من أن تُوصف ببساطة بأنها تقدم تقني.
أما البوصلة نفسها فهي غير مبالية بالتاريخ. فالإبرة الممغنطة تصطف مع المجال المغناطيسي للأرض اليوم كما فعلت مع شين كو في عام 1088، وكما فعلت مع عرّاف الفنغ شوي من أسرة هان وهو يدير ملعقة حجر المغناطيس على لوح برونزي مصقول في اتجاه لم ينظر إليه أحد منذ ذلك الحين. الفيزياء لم تتغيّر. لم يتغيّر سوى القصة التي تُروى حولها. للاطلاع على تقنيات أخرى تُقلَّل أهمية أصولها الصينية عادة في الروايات الغربية، انظر أصل الطباعة وأصل الساعة.
إجابات سريعة
أسئلة شائعة حول هذا الموضوع
من اخترع البوصلة؟
اخترعت البوصلة المغناطيسية في الصين. وكان أقدم شكل معروف منها هو «سي نان» في عهد أسرة هان، وهو جهاز على هيئة ملعقة مصنوع من حجر المغناطيس استُخدم للتنجيم في نحو القرنين الأول والثاني الميلاديين. أما البوصلة الملاحية، التي تعتمد على إبرة ممغنطة تطفو على الماء أو معلّقة على محور، فقد طُوّرت في عهد أسرة سونغ، ووُصفت بوضوح لأول مرة في نصوص صينية بين عامي 1040 و1088 ميلادية.
متى وصلت البوصلة إلى الأوروبيين؟
أقدم الإشارات الأوروبية إلى البوصلة المغناطيسية تعود إلى نحو عام 1190م، في مؤلفات ألكسندر نيكام، وهو عالم إنجليزي. وظهرت البوصلة في مصادر فرنسية وإيطالية في مطلع القرن الثالث عشر، وأصبحت شائعة الاستخدام في الملاحة بالبحر المتوسط بحلول منتصف ذلك القرن. أما كيفية وصولها إلى أوروبا، سواء عبر التجار العرب أو براً عبر طريق الحرير أو باكتشاف مستقل، فلا يزال أمراً مختلفاً عليه.
لماذا تشير البوصلة إلى الشمال؟
تصطف إبرة البوصلة المغناطيسية مع المجال المغناطيسي للأرض، الذي يمتد تقريباً من الجنوب المغناطيسي إلى الشمال المغناطيسي. وينشأ هذا المجال عن حركة الحديد المنصهر في اللب الخارجي للأرض. ولاحظ مستخدمو البوصلة الصينيون أن الإبرة تشير إلى الجنوب لا الشمال، ولذلك كانت تُعرف تاريخياً في المصادر الصينية بـ«الإبرة المشيرة إلى الجنوب». والشمال والجنوب مجرد اصطلاحين تعسفيين؛ أما الحقيقة الفيزيائية فهي أن الإبرة تصطف مع المجال الجيومغناطيسي.
ما الذي غيّرته البوصلة فعلياً في الملاحة؟
قبل البوصلة، كان البحارة يهتدون بالشمس والنجوم والمعالم الساحلية والحساب التقديري استناداً إلى السرعة والاتجاه المقدَّرين. وكانت هذه الطريقة تنجح إلى حد معقول في الأجواء الصافية قرب السواحل المألوفة. أما البوصلة فقد أتاحت الملاحة في الأجواء الغائمة وبعيداً عن اليابسة وفي الليل. وحوّلت عبور المحيطات، الذي كان بالغ الخطورة، إلى مهمة يمكن التحكم بها، وتُنسب إليها عموماً واحدة من التقنيات التي مهّدت لعصر الاكتشافات.


