
حادثة ممر ديالوف: تسع وفيات ما زالت تطارد الأذهان
حادثة ممر ديالوف: تسعة متسلقين سوفييت ماتوا في جبال الأورال عام 1959 في ظروف لا يزال يتعذر تفسيرها حتى اليوم.
في الثاني من فبراير عام 1959، نصب تسعة متسلقين محترفين مخيمهم على سفوح جبل خولات سياخل في شمال جبال الأورال. وبحلول الصباح، كانوا جميعاً أمواتاً - متناثرين عبر المشهد المتجمد في حالات متفاوتة من نزع الملابس، وخيمتهم مشقوقة من الداخل، وأجسادهم تحمل إصابات استعصى تفسيرها.
بعد أكثر من ستة عقود، لا تزال حادثة ممر ديالوف واحدة من أكثر الألغاز التاريخية غير المحلولة حيرةً.
الرحلة الاستكشافية
قاد المجموعة إيغور ديالوف، البالغ من العمر 23 عاماً، وهو متسلق جبال محترف وطالب هندسة في معهد الأورال البوليتكنيكي. تألف فريقه من ثمانية زملاء طلاب وخريجين حديثين - سبعة رجال وامرأتان - جميعهم متسلقون محترفون يمتلكون مهارات التخييم الشتوي.
كان هدفهم الوصول إلى أوتورتين؛ لكن المأساة نفسها وقعت على سفوح جبل خولات سياخل القريب، الذي يعني اسمه بلغة المانسي المحلية "الجبل الميت". صُنّفت الرحلة في الفئة الثالثة - الأصعب - وكانت ستمنح المشاركين شهادة التسلق من الدرجة الثالثة عند إتمامها.
في 28 يناير 1959، عاد أحد الأعضاء، يوري يودين، أدراجه بسبب المرض. كان قراراً سينقذ حياته وسيطارده حتى وفاته عام 2013.
الاكتشاف
عندما فشلت المجموعة في العودة في الموعد المتوقع، أُرسلت فرق البحث. في 26 فبراير، اكتشف الباحثون الخيمة على سفح خولات سياخل - وليس على أوتورتين كما كان مخططاً. وما وجدوه كان مقلقاً للغاية.
كانت الخيمة قد شُقّت من الداخل. أظهرت آثار الأقدام في الثلج أن المتسلقين فروا في حالات متفاوتة من نزع الملابس - بعضهم حافي القدمين، وآخرون بجوارب أو بحذاء واحد فقط - إلى درجات حرارة بلغت 30 تحت الصفر مئوية (22 تحت الصفر فهرنهايت). قادت آثار الأقدام نحو شجرة أرز قريبة ووادٍ صغير، ثم اختفت.
عُثر على أول جثتين قرب شجرة الأرز، ترتديان الملابس الداخلية فقط. وعُثر على ثلاث جثث أخرى، من بينها جثة ديالوف نفسه، بين شجرة الأرز والخيمة، في أوضاع توحي بأنهم كانوا يحاولون العودة. أما الأربعة الباقون فلم يُعثر عليهم حتى مايو، مدفونين تحت أربعة أمتار من الثلج في وادٍ يبعد 75 متراً عن شجرة الأرز.
الإصابات التي يتعذر تفسيرها
أثارت حالة الجثث أسئلة أكثر مما قدمت من إجابات.
أظهرت الجثتان اللتان عُثر عليهما عند شجرة الأرز علامات تسلق للشجرة - أغصان مكسورة تمتد إلى ارتفاع خمسة أمتار. وقد أُشعلت نار لكنها لم تُبقَ مشتعلة إلا بالكاد. وكان أحدهم قد عضّ مفاصل أصابعه حتى اخترقها.
أما الأربعة الذين عُثر عليهم في الوادي فقد تعرضوا لإصابات كارثية. كانت ليودميلا دوبينينا تعاني من كسور خطيرة في الصدر وفقدت لسانها وعينيها وجزءاً من شفتيها. وعانى سيميون زولوتاريوف من رضوض شديدة في الصدر، وأصيب نيكولاي تيبو-برينيول بكسر قحفي قاتل. وقد قورنت القوة اللازمة لإحداث مثل هذه الإصابات بقوة اصطدام سيارة - ومع ذلك لم تكن هناك جروح خارجية.
كان بعض الموتى يرتدون ملابس أشخاص آخرين توفوا قبلهم. وأظهرت بعض الأغراض آثار إشعاع مشع. واحتوت كاميرا أحد الضحايا على فيلم لم يُحمّض بعد، وعندما جرى تحميضه ظهر فيه جسم غريب مضيء.
التحقيق الرسمي
كافح التحقيق السوفييتي، بقيادة المدعي العام ليف إيفانوف، لتفسير الأدلة. وخلص الحكم النهائي إلى أن الوفيات نتجت عن "قوة طبيعية قاهرة" - استنتاج غامض لم يقنع أحداً.
أُغلقت القضية بسرعة، وأُغلقت المنطقة أمام المتسلقين لمدة ثلاث سنوات. صُنّفت الملفات سرية. وانتشرت الشائعات.
نظريات عبر العقود
أنتج هذا اللغز نظريات لا حصر لها، تتراوح بين المعقول والمبالغ فيه.
نظرية الانهيار الثلجي: ربما ضربت الخيمة كتلة ثلجية صغيرة منزلقة، مما دفع المتسلقين للفرار في حالة ذعر وأصابهم بجروح من ثقل الثلج. وكان هذا الاستنتاج الرسمي للحكومة الروسية عام 2020 بعد إعادة فتح التحقيق. ويشير المنتقدون إلى غياب الحطام النموذجي للانهيارات الثلجية والانحدار الخفيف نسبياً للسفح.
فرضية الرياح الكاتابية: ربما تسبب حدث رياح عنيفة في ظروف مربكة وخطيرة إلى درجة دفعت المتسلقين للتخلي عن خيمتهم. قد يفسر هذا تناثر مواقع الجثث لكن ليس الإصابات الداخلية الشديدة.
التعري المتناقض: مع تقدم حالة انخفاض حرارة الجسم، يقوم الضحايا أحياناً بخلع ملابسهم بسبب إحساس زائف بحرارة محرقة. قد يفسر هذا التعري الجزئي لكن ليس الفرار من الخيمة.
نظرية الموجات دون الصوتية: يرى بعض الباحثين أن مرور الرياح فوق قبة خولات سياخل ولّد ترددات دون صوتية أثارت الذعر والسلوك اللاعقلاني. وقد أظهرت التجارب أن الموجات دون الصوتية يمكن أن تسبب مشاعر الخوف والارتباك لدى البشر.
تورط عسكري: أدى وجود مواد مشعة وتقارير عن أضواء غريبة في السماء إلى تكهنات حول تجارب أسلحة سرية أو حطام صواريخ. وكان الجيش السوفييتي نشطاً في المنطقة، رغم عدم وجود دليل مباشر يربطه بالحادثة.
هجوم من السكان الأصليين: نظر المحققون الأوائل فيما إذا كان أبناء شعب المانسي المحليون قد هاجموا المجموعة لتعديها على أرض مقدسة. وسرعان ما استُبعدت هذه النظرية - إذ لم تكن هناك أي آثار لوجود أشخاص آخرين في مكان الحادثة، ولم يكن لدى المانسي أي تاريخ من العنف تجاه الغرباء.
ما نعرفه - وما لا نعرفه
تبدو بعض الحقائق واضحة: غادر المتسلقون خيمتهم طوعاً وعلى عجل، وهم يرتدون ملابس غير كافية لتلك الظروف. وقد انفصلوا عن بعضهم. حاول بعضهم العودة. ومات جميعهم من انخفاض حرارة الجسم أو من إصابات لحقت بهم قبل التجمد.
لكن أسئلة جوهرية تبقى بلا إجابة. ما الذي دفعهم لشق خيمتهم بأنفسهم والفرار نحو موت محقق؟ كيف تعرض أربعة منهم لإصابات داخلية سحقية دون أي رضوض خارجية؟ ولماذا وُجدت آثار الإشعاع؟
إرث من الغموض
أصبح ممر ديالوف مقصداً لهواة الألغاز ونظريات المؤامرة على حد سواء. وتواصل الكتب والأفلام الوثائقية والروائية استكشاف الحادثة. وفي عام 2019، أعلنت السلطات الروسية أنها ستعيد النظر في القضية - لتؤكد في النهاية نظرية الانهيار الثلجي مع الإقرار بأنها لا تفسر كل شيء.
لا تزال شقيقة إيغور ديالوف تعتقد حتى اليوم أن السلطات أخفت الحقيقة. أما يوري يودين، الرجل الذي عاد أدراجه، فقد أمضى ما تبقى من سنوات حياته يحاول فهم ما قتل أصدقاءه. وقال ذات مرة: "لو أُتيحت لي فرصة أن أسأل الله سؤالاً واحداً، لكان: ماذا حدث حقاً لأصدقائي تلك الليلة؟"
احتفظ الجبل الذي حذّر منه المانسي بأسراره. وربما سيظل كذلك إلى الأبد.
بالنسبة لقضايا باردة أخرى قاومت عقوداً من التحقيق، فإن لغز بولارويد تارا كاليكو من نيومكسيكو وجرائم هينتركايفيك من بافاريا في عشرينيات القرن الماضي تشتركان في الغموض المستمر ذاته.
تذكّرنا حادثة ممر ديالوف بأن التاريخ لا يقتصر على ما نعرفه - بل يمتد إلى الألغاز التي تستمر رغم أفضل جهودنا لحلها.
هل تريد استجواب المشتبه بهم؟
تحدث مع شخصيات تاريخية واكشف الحقيقة وراء أعظم ألغاز التاريخ.
ابدأ تحقيقك

