الرئيسيةجميع القصص
الجريمة والأسرار
الكارثة والمصير
الأساطير والخصوم
التاريخ الحي
جرّب التطبيق
اختفاء أميليا إيرهارت: ماذا حدث فوق المحيط الهادئ؟
21 فبراير 2026قضايا بلا حل5 دقيقة قراءة

اختفاء أميليا إيرهارت: ماذا حدث فوق المحيط الهادئ؟

في عام 1937، اختفت أشهر امرأة في الطيران فوق المحيط الهادئ. بعد قرابة تسعين عاما، لا يزال مصيرها واحدا من أعظم الألغاز التي يحفل بها التاريخ.

في صباح الثاني من يوليو 1937، أقلعت طائرة لوكهيد إلكترا 10E من لاي في غينيا الجديدة تحمل شخصين نحو بقعة مرجانية صغيرة في وسط المحيط الهادئ. كانت أميليا إيرهارت وملاحها فريد نونان يحاولان إتمام أطول رحلة في طوافتهما حول الكرة الأرضية وأشدها خطورة، وهي قطع 2556 ميلا من المياه المفتوحة للوصول إلى جزيرة هاولاند، تلك الشريط المستوي من الأرض التي لا يتجاوز طولها ميلين وعرضها نصف ميل.

لم يصلا قط.

باتت قضية اختفاء أميليا إيرهارت ربما أشهر حوادث الاختفاء في تاريخ الطيران. فرغم عقود من التحقيقات وملايين الدولارات في رحلات البحث والتطور التقني الذي لم يكن يخطر ببال أحد في ثلاثينيات القرن الماضي، أبى المحيط الهادئ أن يُفصح عن سره.

الرحلة التي غيرت كل شيء

بحلول عام 1937، كانت إيرهارت قد غدت أشهر طيارة في العالم. ففي عام 1932، أصبحت أول امرأة تعبر الأطلسي منفردة، محطِّمةً الأرقام القياسية والتوقعات في آنٍ معا. بيد أن طوافتها المخططة حول الكرة الأرضية، على أقرب مسار ممكن من خط الاستواء، كانت ستكون إنجازها التاجي.

انطلقت الرحلة في الأول من يونيو من ميامي بفلوريدا. وقفزت إيرهارت ونونان عبر أمريكا الجنوبية وأفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرقها، مقطعَين نحو 22,000 ميل في خمسة أسابيع. حين وصلا إلى لاي، لم يتبقَّ سوى 7000 ميل. غير أن الأصعب كان لا يزال في الأمام.

كانت رحلة هاولاند كابوسا ملاحيا. تقع الجزيرة تقريبا على خط الاستواء، ولا يتجاوز ارتفاعها في أعلى نقطة ستة أقدام فوق سطح البحر. العثور عليها في المحيط الهادئ الشاسع يستلزم ملاحة فلكية دقيقة، وهي تخصص نونان، فضلا عن اتصال راديوي موثوق بسفينة خفر السواحل الأمريكية إيتاسكا الراسية قبالة الشاطئ لإرشادهما.

آخر الإرسالات

أقلعت إيرهارت من لاي عند الساعة العاشرة صباحا بالتوقيت المحلي في الثاني من يوليو. كانت الطائرة محمّلة بـ1100 غالون من الوقود، يكفي لنحو 20 إلى 21 ساعة طيران. وكان وقت الرحلة المتوقع نحو 18 ساعة.

طوال معظم الرحلة ساد الصمت على الراديو. وتصاعد قلق طاقم إيتاسكا مع مرور الساعات دون أن يأتي أي تواصل يُذكر. ثم، في الساعة 7:42 صباحا (بتوقيت إيتاسكا)، تقطعّ صوت إيرهارت عبر الأثير: "يجب أن نكون فوقكم، غير أننا لا نراكم. لكن الوقود في نفاد. لم نتمكن من الوصول إليكم بالراديو."

وعند الساعة 8:43 صباحا جاءت الرسالة الأخيرة: "نحن على الخط 157-337. سنكرر هذه الرسالة. سنكررها على تردد 6210 كيلوسيكل. انتظروا."

ثم لا شيء.

يُشير "الخط 157-337" إلى خط موضع، وهو تحديد ملاحة فلكي يمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي عابرا جزيرة هاولاند. وهذا يعني أن إيرهارت كانت تعتقد أنها تقع في مكان ما على ذلك الخط، لكنها لم تكن تعرف هل هي شمال وجهتها أم جنوبها.

شرعت إيتاسكا فورا في البحث. وفي غضون أيام، أطلق الأسطول الأمريكي أوسع عمليات البحث الجوي والبحري حتى ذلك الحين في التاريخ، إذ غطّت 250,000 ميل مربع من المحيط. ومشطت البوارج وحاملات الطائرات والمدمرات وعشرات الطائرات المحيط الهادئ طوال ستة عشر يوما.

لم يجدوا شيئا. لا شظية واحدة من الحطام، ولا بقعة نفط واحدة، ولا قطعة واحدة من الطائرة الفضية المتألقة.

النظرية الأولى: تحطمت وغرقت

الشرح الأبسط هو في الغالب الأكثر احتمالا. نفد وقود إيرهارت فهبطت اضطراريا في المحيط الهادئ وغرقت الطائرة. وسط المحيط الهادئ يبلغ عمقه آلاف الأقدام في معظم المناطق، وطائرة صغيرة ابتلعتها تلك المياه قد لا تُعثر عليها أبدا.

تدعم أدلة الراديو هذه النظرية. فقد كشفت رسائل إيرهارت أن الوقود كان ينفد وأنها عاجزة عن تحديد موضع الجزيرة. ولو انحرفت عن مسارها ولو قليلا، لما وجدت أمامها إلا محيطا خاليا في كل اتجاه.

تُشير التحليلات الحديثة إلى أن الرياح المعاكسة خلال الرحلة كانت أشد مما توقعه التنبؤ، مما أدى إلى استهلاك وقود أكثر من المخطط. ويُقدّر بعض الباحثين أن إيرهارت ربما لم يكن لديها سوى ما يقل عن ساعة من الوقود حين أرسلت رسالتها الأخيرة.

في يناير 2024، أعلنت شركة Deep Sea Vision المتخصصة في استكشاف أعماق البحار عن صور سونار من قاع المحيط قرب جزيرة هاولاند على عمق نحو 16,000 قدم تبدو فيها آثار شبيهة بطائرة. وأثارت الصورة حماسا بالغا، وإن كانت الهوية الحاسمة لا تزال قيد الانتظار حتى كتابة هذه السطور.

النظرية الثانية: فرضية جزيرة غاردنر

أمضت المجموعة الدولية لاستعادة الطائرات التاريخية (TIGHAR) عقودا في التحقيق بنظرية بديلة، مفادها أن إيرهارت ونونان، إذ عجزا عن إيجاد هاولاند، انعطفا جنوبا على امتداد خط موضعهما وهبطا على جزيرة غاردنر، المعروفة اليوم بنيكوماروروا، وهي مرجانية غير مأهولة تقع نحو 350 ميلا جنوب شرق هاولاند.

الأدلة ظرفية لكنها لافتة للنظر. ففي عام 1940، اكتشف مسؤول استعماري بريطاني يستكشف نيكوماروروا هيكلا عظميا بشريا جزئيا وحذاء نسائيا وعلبة إسطرلاب وزجاجة بينيديكتين بالقرب من موقع مخيم على الشاطئ الجنوبي الشرقي للجزيرة. قدّر طبيب في ذلك الوقت أن العظام تعود لذكر أوروبي قصير وممتلئ، وسرعان ما فُقدت الرفات.

بيد أنه في عام 1998، أعاد علماء الأنثروبولوجيا الجنائية تحليل قياسات العظام الأصلية باستخدام تقنيات حديثة، وتوصلوا إلى أن الهيكل العظمي أكثر توافقا مع امرأة طويلة من أصل أوروبي، وهو ما يتطابق مع بنية إيرهارت الجسدية. وقد عزّز هذا التقييم دراسةٌ أُجريت عام 2018 باستخدام مناهج جنائية محدّثة.

كما عثرت بعثات TIGHAR على قطع أثرية في الجزيرة، منها شظايا من البليكسيغلاس تتوافق مع نافذة طراز إلكترا، وأدوات مرتجلة، وبقايا مستحضرات تجميل أمريكية من ثلاثينيات القرن الماضي. كذلك وردت تقارير عن استقبال نداءات استغاثة راديوية في الأيام التالية للاختفاء، تضمّنت بعضها تفاصيل تتسق مع الهبوط على الشعاب المرجانية.

يُلاحظ المنتقدون أن جزيرة غاردنر شهدت زيارات من ناجين من غرق السفن وناجين آخرين على مر السنين، وأن القطع الأثرية قد تكون ذات مصدر آخر.

النظرية الثالثة: الأسر الياباني

النظرية الأكثر دراماتيكية هي أن إيرهارت ونونان هبطا في جزر مارشال الخاضعة للسيطرة اليابانية، وأُسرا ثم ماتا في الأسر أو أُعدما بتهمة التجسس.

ظلّت هذه النظرية قائمة جزئيا بسبب شهادات بعض سكان جزر مارشال الذين أفادوا برؤية اليابانيين يجلبون امرأة ورجلا غربيَّين إلى الشاطئ عام 1937. وقد بدت صورة اكتُشفت في الأرشيف الوطني عام 2017 وكأنها تُظهر إيرهارت ونونان على رصيف في أتول جالوت، غير أنه بعد ذلك تبيّن أن الصورة نُشرت في كتاب سفر ياباني عام 1935، أي قبل عامين من الاختفاء.

وفي حين يظل هذا الإصدار التآمري شائعا في بعض الأوساط، يرى معظم المؤرخين أنه غير مرجّح. إذ لم يكن لليابان سبب استراتيجي لأسر طيّارَين مدنيَّين وإخفاء أمرهما، ولا تدعم أي وثائق موثوقة من الأرشيف الياباني هذا الادعاء.

لماذا يبقى هذا الأمر مهما حتى اليوم؟

يتواصل لغز إيرهارت ليس فحسب بسبب الطائرة المفقودة، بل لأن ما كانت تمثله أميليا إيرهارت لا يُنسى. في حقبة كان يُتوقع فيها من المرأة أن تلزم البيت، كانت هي تحلّق فوق المحيطات. كانت جريئة وساحرة وطموحة بلا اعتذار، ثم ببساطة اختفت.

المحيط الهادئ ضخم يتجاوز الخيال. حتى اليوم، مع تقنيات الأقمار الاصطناعية والغواصات العميقة، لا يزال معظم قاع المحيط دون خرائط. في مكان ما تحت تلك الأمواج، أو ربما على جزيرة مرجانية نائية، يرقد جواب ما حدث في صباح ذلك اليوم من يوليو 1937.

كثيرا ما يُهمَل فريد نونان، الملاح البارع الذي اشترك في مصير إيرهارت، في الرواية المتداولة. كان ملاحا سابقا في شركة بان أمريكان للطيران، وامتلك من الخبرة في المحيط الهادئ ما يفوق أي شخص آخر تقريبا في تلك الحقبة. مهما حدث، فلم يكن السبب افتقارا إلى المهارة.

بعد ما يقارب تسعة عقود، لا تزال رحلات البحث تتوالى. وتتحسّن تقنيات السونار باستمرار، ويمسح التحليل المعزّز بالذكاء الاصطناعي الصور القديمة. يحتفظ المحيط الهادئ بأسراره جيدا، غير أن التقنية صبورة، ولم تتوقف عمليات البحث حقا قط، تماما مثل البحث الذي امتد عقودا في قضية دي. بي. كوبر.

كتبت أميليا إيرهارت ذات مرة: "اعلموا أنني على دراية بالمخاطر. أريد القيام بهذا لأنني أريد ذلك." كانت تعرف المخاطر. وطارت على أي حال. والسماء التي منحتها حريتها أخذتها في النهاية، تاركةً وراءها لغزا يأبى الموت.

إجابات سريعة

أسئلة شائعة حول هذا الموضوع

ماذا حدث لأميليا إيرهارت؟

في الثاني من يوليو 1937، أقلّت إيرهارت والملاح فريد نونان من لاي في غينيا الجديدة محاولَين قطع 2556 ميلا عبر المحيط الهادئ للوصول إلى جزيرة هاولاند الصغيرة، غير أنهما لم يصلا قط. جاء آخر بثّها الراديوي في الساعة 8:43 صباحا، ثم صمت تام. ورغم أكبر عملية بحث جوي وبحري في التاريخ حتى تلك اللحظة غطّت 250,000 ميل مربع، لم يُعثر قط على أي حطام.

ما كان آخر رسالة راديوية أرسلتها أميليا إيرهارت؟

كانت آخر رسالة مؤكدة: 'نحن على الخط 157-337. سنكرر هذه الرسالة. سنكررها على تردد 6210 كيلوسيكل. انتظروا.' يشير 'الخط 157-337' إلى خط موضع فلكي يمر بجزيرة هاولاند، مما يعني أن إيرهارت كانت تعتقد أنها تقع في مكان ما على ذلك الخط دون أن تعرف هل هي شمال وجهتها أم جنوبها.

هل تحطمت إيرهارت وغرقت في المحيط الهادئ؟

هذه النظرية الأكثر رسوخا. تُشير أدلة الراديو إلى أن إيرهارت كانت على وشك نفاد الوقود وعاجزة عن تحديد موضع الجزيرة. تُظهر التحليلات الحديثة أن الرياح المعاكسة كانت أشد مما تنبأ به التوقع، مما أدى إلى استهلاك وقود أكثر من المخطط. وفي يناير 2024، أعلنت شركة Deep Sea Vision عن صور سونار من قاع المحيط قرب جزيرة هاولاند على عمق نحو 16,000 قدم تُظهر ما يبدو أنه شكل طائرة، وإن كانت الهوية الحاسمة لا تزال قيد الانتظار.

هل نظرية جزيرة غاردنر (نيكوماروروا) ذات مصداقية؟

ظلت نظرية هبوط إيرهارت على جزيرة غاردنر -المعروفة اليوم بنيكوماروروا- موضع تحقيق من قِبل منظمة TIGHAR لعقود. شمل اكتشاف عام 1940 على الجزيرة هيكلا عظميا بشريا جزئيا وحذاء نسائيا وعلبة إسطرلاب وزجاجة بينيديكتين. أشارت إعادة تحليلات الطب الشرعي لعامَي 1998 و2018 إلى أن العظام تتسق مع امرأة طويلة من أصل أوروبي تشابه إيرهارت في بنيتها الجسدية.

هل تريد استجواب المشتبه بهم؟

تحدث مع شخصيات تاريخية واكشف الحقيقة وراء أعظم ألغاز التاريخ.

ابدأ تحقيقك

انضم إلى HistorIQly Club

اجعل الماضي أوضح في ذهنك.

قصص أسبوعية وتحليلات معمّقة ومحتوى حصري مباشرةً إلى بريدك.

بلا إزعاج. إلغاء الاشتراك في أي وقت.